الاول من تشرين الثاني (نوفمبر)
ها قد حللت، اخيراً، في المدينة الاولى في العالم! لو اني شاهدتها قبل خمسة عشر عاماً بصحبة دليل ذكي يرشدني، لقلت انني انسان على جانب كبير من الحظ، ولكن لما قيض لي ان ازورها بمفردي وان اعتمد على حكم ما تراه عيناي، فانني مغتبط في الاقل لحصولي على هذه النعمة بعد هذا العمر.
لقد مضيت عبر جبال تيرول انهب الارض نهباً كما لو كنت في فرار لا في رحلة. شاهدت فيشينزا وبادوا والبندقية مشاهدة مدققة، ورأيت فيرارا وتشينتو وبولونا مشاهدة عابرة، أما فلورنسا فلم أرها إلا بالكاد. كان توقي لبلوغ روما يتنامى ويكبر مع مرور كل لحظة، حتى لم يعد ثمة ما يحفزني على التوقف، حيث لم اقض سوى ثلاث ساعات هناك. والآن، ها قد وصلت مبتغاي، وهدأ روعي، واخذت اشعر انني وجدت سكينة ستلازمني في حياتي كلها. ذلك لأن المرء، ان جاز لي القول، حالماً يبصر بأم عينيه الكل الذي سمع عنه نتفاً واجزاء، حتى تبدأ لـه حياة جديدة.
لقد تحققت كل احلام شـبابي؛ وان أول صورة محـفورة علـى الخشب ممـا اتذكر ـ حيث كان ابي يعلق مناظر روما في ردهة المنزل ـ تتجسد امام ناظري في الحياة، وان كل ما عرفته منذ أمد بعيد عن طريق اللوحات والرسوم والكليشيهات المحفورة على المعدن والصور المحفورة على الخشب، وتماثيل الجبس، والموديلات المعمولة من الفلين ينتصب امامي الآن. وأينما جلت رأيت مباني وانصاباً مألوفة في عالم غير مألوف؛ وان كل شيء يطابق ما تخيلته عنه، ومع ذلك فكل شيء جديد. ويصح هذا القول على ملاحظاتي وافكاري بالمثل. فما كانت تدور في رأسي فكرة واحدة جديدة كل الجدة، أو مفاجئة قط؛ بل ان افكاري القديمة ازدادت الآن رسوخاً وتماسكاً، ونبضاً بالحياة بحيث يمكن القول انها باتت جديدة.
ترى ما الذي حدا بالمرأة الجميلة جالاتيا، التي نحتها الفنان بيجماليون كما حلم بها ان تكون، واخرجها الى الوجود النابض، على خير ما يفعل أي فنان،الى ان تأتي وتقول لـه اخيراً "ها أنذا"، ولتكون المرأة الحية خلاف التمثال المجسدّ.
زد على هذا ان من المفيد معنوياً ان اعيش بين اناس حسيين كتب وقيل عنهم الكثير، اناس يحكم عليهم كل اجنبي وفق ما يحمل من معايير. وانني لأعذر من ينتقدهم أو يستهجن سلوكهم، لأن حياتهم بعيدة كل البعد عن حياتنا، بحيث ان التعامل معهم صعب ومكلف على الاجنبي.