ترينتو، الحادي عشر من ايلول (سبتمبر)، الصباح الباكر
بعد انصرام خمسين ساعة ضاجة بالحياة، وصلت الى ترينتو في الساعة الثامنة من مساء الامس، وخلدت مبكرا الى النوم، وأنا الآن من جديد في حال يسمح بمواصلة السرد. في مساء التاسع من ايلول، وبعد ان اكملت الحصة الاولى من تدوين يومياتي، فكرت ان احاول رسم صورة للحانة والبريد في برينر، لكني لم انجح في مسعاي. لقد اخفقت في التقاط معالم المكان وعدت الى المنزل وأنا ممتعض بعض الشيء. وسألني صاحب النزل ان كانت بي رغبة للانطلاق في الحال نظراً لأن القمر سيبزغ قريبا والطريق سيكون رائعا. كنت اعرف انه يريد لجياده ان تعود في الصباح التالي لكي تحمل لـه كومة القش الثانية، وان نصحه هذا لم يكن مجرداً من المصلحة بأي حال، إلا انه توافق مع رغائب قلبي، فقبلت العرض في خفة وابتهاج. انبجست الشمس ثانية، أما الهواء فكان منعشا: حزمت حقائبي، وانطلقت عند السابعة. كانت الغيوم قد تبددت، واطل علينا مساء جميل.
اغفى الحوذي اثناء المسير، وراحت الجياد تخب خببا متسارعا اسفل التل على طريق خبرته مراراً. وكانت الجياد تبطئ الخطو تلقائيا كلما مرت بالمستوي من الطريق. بعدئذ صحا السائس من غفوته وراح يسوطها من جديد. وسرعان ما بلغنا آديج، ونحن ننطلق كالسهم بين الاكمات العالية. بزغ القمر، ليضيء كتل الجبال العملاقة. وبدت بعض طواحين الهواء الرابضة على ضفة النهر الهادر وسط اشجار البلوط المعمرة، شبيهة بلوحة من اعمال ريشة ايفردنجن.
وحين بلغت فيبيتينو زهاء التاسعة، اتضح لي انهم يريدونني ان اغادر في الحال. وصلنا ميزاسيلفا مع دقات الساعة عند منتصف الليل. كان الكل نيام باستثناء الحوذي الجديد. رحنا نغذ السير صوب بريسانون، وحين بلغناها تعرضت ثانية الى الاختطاف، ان جاز القول، فوصلت الى كولما مع انبلاج الفجر. لقد سعى الحوذيون المتعاقبون الى ان ينهبوا الارض نهبا، بسرعة جنونية قطعت عليّ انفاسي، مع ذلك وجدتني، رغم ما ألم بي من ندم على السفر بمثل هذه العجالة ليلا عبر هذه الاصقاع الحلوة، سعيدا في قرارة نفسي على المضي والاسراع نحو هدفي المنشود، بينما الريح المؤاتية تدفعنا من الظهر دفعا.
مضت العربة بلا توقف. وصلت ترينيتا في السابعة صباحا، وانطلقت بي العربة ثانية. ومضينا في الرحلة شمالا حتى لاحت بولزانو اخيرا، وهي تستحم بنور الشمس، محاطة بجبال شاهقة، شديدة الانحدار، زرعت سفوحها الى علو كبير.
ينفتح الوادي صوب الجنوب، أما من جهة الشمال فتظلله جبال تيرول. ثمة نسيم منعش يتخلل المنطقة كلها. هنا ينعطف نهر آديج نحو الجنوب ثانية. وتكتسي سفوح التلال بالكروم. وتمتد الكروم على عرائش تتدلى منها عناقيد حمراء في اتساق ونظام، لتنضج على وهج الدفء المنبعث من التربة القريبة من العثوق. ولا يخلو قاع الوادي، المكرس للرعي عموما، من اعناب تنمو على عرائش مماثلة، مرصوفة معاً في صفوف متوازية، تفسح فيما بين جنباتها المجال لزراعة الذرة، التي تنبجس سيقانها عالية، لتبلغ احيانا عشرة اقدام. وان الازهار الليفية لم تقطع بعد، فالزراع لا يقطفونها إلا بعد شيء من التسميد للنبات.
حين وصلت بولزانو كانت الشمس تسطع سطوعا باهراً. سررت لمرأى وجود تلك الكثرة من التجار في آن واحد. تلوح على هؤلاء الرجال مسحة المقاصد الجادة والنعمة بالرفاه. ثمة نساء يجلسن في الساحة عارضات الثمار للبيع في سلال منبسطة القاع بعرض اربعة اقدام. وتجد الخوخ والكمثرى مرصوفة في عناية بجانب بعضها البعض تفاديا للخدش والتلف. بغتة تذكرت رباعية نقشت على نافذة نزل في ريجنزبرج:
مثلما ان الخوج والبطيخ
هو لفم البارون،
فان العصي والهراوات
هي للمجانين، كما يقول سليمان. (بالفرسية في الاصل)
جلي ان هذه الرباعية من تأليف بارون من الشمال، ولكن بوسع المرء ان يكون على يقين تام من انه كان سيغير رأيه لو انه زار هذه الانحاء.
يعج سوق بولزانو بتجارة الحرير؛ ويجلب الباعة ايضا كل ما تقع عليه اياديهم من قماش وجلود في المناطق الجبلية. غير ان كثرة من التجار لا تأتي إلا لاستلام النقود، واخذ الطلبيات، وتقديم قروض جديدة. بودي ان اتحرى سائر المنتجات المتنوعة، المعروضة للبيع، لكن رغائب القلب لن تدعني استقر واستكين، وانني لمتلهف كل اللهفة الى المغادرة في الحال.
رحت اعزي نفسي بفكرة ان زماننا هذا حريص على الاحصائيات، وان كل ما يدور في سوق البلدة قد سجل وطبع في كتب يمكن للمرء ان يرجع اليها ان دعت الحاجة. أما في الوقت الحاضر فأنا منشغل تماما بالانطباعات الحسية التي لا يسع أي كتاب أو أية لوحة، ايفاءها حقها. والحق انني اذ وضعت قواي على الملاحظة والرصد موضع الاختبار، فقد وجدت اهتماما جديدا بالحياة. ترى الى أي حد ستأخذني معرفتي العلمية والعامة؟ وهل يمكن لي ان اتعلم النظر الى الاشياء بعينين صاحيتين، طريتين؟ وكم يسعني ان استوعب بنظرة واحدة؟ وهل يمكن لي ان ازيل اخاديد العادات الذهنية القديمة؟ هذا ما احاول اكتشافه. ان حقيقة سعيي الى مراقبة نفسي تبقيني في يقظة ذهنية طوال الوقت، واجد انني قد طورت مرونة جديدة في عقلي. لقد كنت معتاداً على ان اعمل على التفكير، والارادة، واصدار الاوامر واملاء النصوص، أما الآن فيتعين ان اشغل نفسي بأسعار صرف النقود، وتصريف النقود، ودفع الفواتير، وتدوين الملاحظات، وكتابة النصوص بنفسي.
يشق المرء الطريق من بولزانو الى ترينتو طوال تسعة اميال عبر بلاد تزداد خصبا فوق خصب. ان كل ما يصارع من أجل النمو في اعالي الجبال، يزدهر هنا بحيوية وعافية ويسر، فالشمس ساطعة وساخنة، فيوقن المرء بوجود الخالق.
نادتني امرأة فقيرة وطلبت مني ان ادع طفلتها تركب معي في العربة لأن الارض الساخنة تحرق قدميها. قمت بهذا الاحسان كعمل من اعمال الخير اكراما لجبروت نور السماء. كانت الطفلة ترتدي زياً غريبا مبهرجاً، ولم افلح في ان انتزع منها كلمة واحدة في أية لغة.
يجري نهر آديج الآن مجرى هادئا، وتنبجس منه في مواضع شتى جزر عريضة من الحصى. وتزدحم ضفتا النهر والتلال بالمزروعات الكثيفة، التي تدفع المرء للتخيل بأن كل محصول يخنق الآخر، الذرة، التوت، التفاح، الكمثرى، السفرجل، والجوز.
تكتسي الجدران باوراق اللبلاب المتسلق، الثخين السيقان، الذي يمتد ليغطي الصخور؛ وتثب السحالي من الشقوق أو تنحشر فيها، هي وغيرها مما يتحرك فيذكرني ذلك كله باللوحات المفضلة عندي. وان النساء اللواتي يتبخترن بشعورهن المجدولة، والرجال بصدورهم العارية وستراتهم الخفيفة، والثيران الضخمة التي تساق من البيوت الى السوق، والحمير القميئة المحملة باحمال ثقيلة، كل هذه التفاصيل الحية تؤلف مشهداً يحمل المرء على تذكر هذه اللوحة أو تلك من اعمال هاينريش روس. حين يحل المساء، ويرى المرء بضع غمامات هامدة في الهواء الساكن، مستريحة فوق الجبال، واقفة في السماء بدل ان تندفع عبرها، أو حين تتعالى اصوات الجداجد بعيد الغروب، اشعر انني في سكينة مع العالم، لا بغريب ولا بمنفي. واجدني متمتعاً بكل شيء كما لو اني ولدت هنا وترعرت هنا، وانني عدت لتوي من رحلة صيد حيتان في جرينلاند.
بل انني ارحب بالغبار الذي يتطاير احيانا كالغمام حول عربتي، كما لو ان هذا هو حاله في موطني الذي بعدت عنه طويلاً. ان صرير الجداجد الذي يشبه وقع الاجراس يزيد الحضور بهجة ـ وهو صرير قوي لكنه ليس مزعجا ـ بل ان هذا الصرير يبلغ غاية اللطف حين يحاول بعض الصبيان العفاريت ان يصفر صفيرا قوياً يفوق حقل الجداجد الصادحة هذه: فالصبيان والجداجد يبدون كمن يحفزون بعضهم على رفع العقيرة بالصفير. وان كل مساء هنا هو على غاية الكمال الذي كانه النهار.
لو ان احداً من ساكني الجنوب أوالمولودين فيه سمع خواطر حماستي هذه ازاء الموجودات، لظن اني طفل غرير. لكني كنت اعرف ذلك كله حين كنت اعاني، ويا للأسى، تحت سماء لدود، أما الآن فاني انعم بلذة الاحساس بهذه السعادة بوصفها استثناء، وهي سعادة ينبغي لنا ان نتمكن من التنعم بها بحكم طبيعتنا، وكحق من حقوق وجودنا.