ترينتو، الحادي عشر من ايلول (سبتمبر)، المساء




طفت في البلدة العتيقة تماما رغم وجود منازل بهية شيدت حديثاً. تحوي الكنيسة

لوحة زيتية تصور مجلساً محتشداً ينصت الى موعظة يلقيها كبير قساوسة الجيزويت. أود حقا ان اعرف ما يلقيه كبير القساوسة هذا على مستمعيه. ان كنيسة هؤلاء الآباء جلية للعيان من اعمدة الرخام الحمراء التي تزدان بها واجهتها. أما باب الكنيسة فتغطيه ستارة ثقيلة تصد الغبار. رفعت الستارة ودخلت الى الردهة المفضية الى المصلى. ان الكنيسة الفعلية مغلقة اصلاً بحاجز من القضبان المتصالبة، إلا ان بمقدور المرء ان يرى الكنيسة كلها من خلاله دون عناء. كانت هادئة وفارغة، اذ لم تعد تستخدم للخدمة المقدسة. وكان بابها الخارجي مفتوحاً لأنه يتعين ان تكون كل الكنائس مفتوحة في ساعة صلاة المساء.

وبينما كنت واقفاً اتفرج على معمار الكنيسة، الذي بدا لي شأن معمار كل الكنائس التي شيدت على يد طائفة الجيزويت، دخل رجل عجوز وخلع بيريته السوداء على الفور.

كان رداءه الاسود، البالي يشي بانه قس مفقر. ركع قبالة حاجز القضبان المتصالبة وراح يتلو صلاة قصيرة، ثم نهض من جديد. واخذ يتمتم مع نفسه وهو يستدير: "طيب، لقد طردوا الجيزويت، لكن عليهم في الاقل ان يدفعوا لهم ثمن الكنيسة التي بنوها. اعلم تماما الآلاف المؤلفة التي انفقوها على هذه الكنيسة وعلى المدرسة الدينية." بعد الفراغ من هذا القول انصرف، وانسدلت الستارة من ورائه.

رفعت الستارة ثانية وانتظرت في هدوء. كان ما يزال يقف في اعلى الدرجات وهو يتحدث مع نفسه: "الامبراطور لم يفعلها، انما فعلها البابا." والتفت صوب الشارع غير عارف بوجودي: "الاسبان أولا، ثم نحن، بعد ذلك الفرنسيون. ان دم

هابيل يصرخ على اخيه قابيل." نزل الدرجات ومضى الى الشارع وهو يواصل

الدمدمة. لعله رجل عجوز كان الجيزويت يقيمون اوده، ففقد عقله بعد المصاب الذي حل بالطائفة، وهو يأتي الآن كل اليوم الى الكنيسة ويجيل الطرف في قوقعتها الفارغة بحثاً عن ساكنيها السابقين، ويصلي لاجلهم قليلاً ويلعن اعداءهم.

ثمة شاب استعلمت منه عن جوانب الاثارة في هذه البلدة، أطلعني على منزل يدعى بـ"دار الشيطان"، اذ يقال ان الشيطان، الميال الى الخراب، جمع احجاره وبناه في ليلة واحدة. ولم يفلح هذا الانسان طيب السريرة في ملاحظة السمة البديعة في هذا المنزل. فهو البناء الوحيد الذي يتميز بحسن الذوق مما رأيته في ترينتو، ولعل احد الايطاليين الطيبين بناه في فترة سابقة.

تركت البلدة في الساعة الخامسة مساء. وتكرر اداء الليلة الفائتة، اذ بدأت الجداجد صريرها الجماعي بعيد الغروب مباشرة. كان الطريق يمضي لمسافة ميل تقريبان بين جدران امكن لي ان أرى فوقها عرائش الكروم. هناك جدران اخرى ليست على ارتفاع كاف، وقد شيدت من الحجارة واشواك العليق، وغير ذلك، لمنع عابري السبيل من قطف عناقيد العنب. ويرش اصحاب الكروم العناقيد القريبة من الطريق بالحامض. ان ذلك يفسر مذاق العنب لكنه لا يفسد النبيذ، فالاحماض تزول خلال التخمر.