المساء




زرت سكاموزي، وهو شيخ معماري، اصدر كتاباً عن بالاديو، علما انه هو ذاته فنان مؤهل ومتفان. وابدى سروراً عظيماً باهتمامي، وزودني ببعض المعلومات، وقال ان البناء الذي اشاده بالاديو، والذي شغفت به أيما شغف، هو البيت الذي سكنه الفنان نفسه. وحين يشاهد المرء البناء عن كثب، يجد فيه ملامح اغنى مما يتصوره المرء عند مشاهدة الصورة. أود ان أرى صورة لـه بالالوان، عسى ان تعيد للبناء المسحة اللونية التي اكتسبها من الحجر ومرور الزمن عليه. ولا يتوهمن أحد ان المعماري اشاد لنفسه قصراً منيفاَ. فهو اكثر المنازل تواضعاً في العالم، وله نافذتان، تفصل بينهما فسحة جدار يمكن لها بسهولة ان تستقبل نافذة ثالثة. ولعل المرء سيرسم صورة مسلية، ان صور هذا المنزل قابعاً بين جيرانه. وان كاناليتو هو الرجل المؤهل للقيام بذلك.

توجهت اليوم لمشاهدة منزل بديع يدعى روتوندا. وينتصب هذا المنزل على رابية خفيضة تبعد مسافة نصف ساعة عن المدينة. وهو بناء مربع الشكل يحيط صالة مضاءة من عل. وتنطلق من كل ضلع من الاضلاع الاربعة درجات عريضة تقود الى رواق مزدان بستة أعمدة. ولعل فن العمارة لم يبلغ مثل هذا الشأو العظيم من الفخامة والبذخ. فالمساحة الواسعة التي اغدقت على السلالم والاروقة تزيد بكثير عما كرس للبيت نفسه، ابتغاء ان يكون لجوانب المنزل مظهر معبد فخم. وان المنزل نفسه يبدو بمثابة مسكن، اكثر مما هو منزل. فالفناء والغرف بديعة التناسق والابعاد، ولكن يصعب القول ان بامكانها، كمنزل صيفي، ان تفي بحاجات اسرة نبيلة. غير ان لمنزل روتوندا هذا مرأى بديع، من أية جهة عاينه المرء. وحين يدور المرء حوله، يجد ان تنوع الأثر البصري الناشيء عن الشكل المربع، وجلال الاعمدة، خارقان للعادة. ولقد حقق المالك طموحه البين في ان يخلف لورثته صرحاً هائلاً ونصباً مادياً يجسد ثراءه. ومثلما ان المرء يمكن ان يرى المنزل في كامل بهائه من أية زاوية اطل بها عليه من الريف، فان مشاهد الريف من مختلف جهات المنزل لا تقل عنه روعة. فمن هنا ترى المراكب الكبيرة تنساب على صفحة المياه قادمة من فيرونا الى برينتا، وتطل على الضياع الكبيرة للماركيز كابرا، الذي رغب في ان تحتفظ اسرته بالضياع كاملة، غير مقسمة. وان العبارات المنقوشة على الجملونات الاربعة، والتي تؤلف معاً جملة تامة، لجديرة بالتسجيل. (باللاتينية في الاصل)

ان السطر الاخير لغريب حقا. فهذا الرجل الذي يملك كل هذا الثراء بين يديه، والذي كان بمقدوره ان يفعل ما يشتهي، مايزال يشعر ان عليه ان يمسك ويطيل البقاء. ولا ريب ان في الامكان تعلم هذا الدرس بتكلفة أقل.