27 أيلول (سبتمبر)




اخيرا حصلت على اعمال بالاديو، ليس النسخة الاصلية ذات الرسوم المحفورة على الخشب، بل نسخة مصورة برسوم محفورة على النحاس، نشرها سميث، وهو رجل بديع، شغل في السابق منصب القنصل الانجليزي في البندقية. ولابد للمرء من ان يثني على الانجليز تقديرهم المديد لما هو حسن، كما يثني عليهم سخاءهم وهمتهم في نشر هذا العمل الحسن.

وبمناسبة هذا الشراء، دخلت مكتبة، والمكتبة في ايطاليا مكان غريب. ان سائر الكتب مجلدة تجليداً خاصاً بالأبرة، وان المرء ليجد دوما صحبة حسنة في أي وقت من النهار دخل. فكل من لـه صلة، على أي حال، بالادب ـ من الكهنوت الدنيوي، الى النبيل، الى الفنان ـ يطرق باب المكتبة ويدلف. وحين تدخل، تطلب كتاباً، وتتصفح محتوياته، أو تنخرط في حديث ان اطلت المناسبة. حين دخلت، كان ثمة نصف دزينة من الزبائن، وحين سألت عن اعمال بالاديو، التفتوا جميعا بانظارهم إليّ. وبينما كان الكتبي يفتش عن المؤلف الذي طلبت، راحوا يتحدثون بصوت مسموع عن بالاديو ويزودونني بشتى ضروب المعلومات عن الطبعة الاصلية والنسخ المعاد طبعها. وكانوا جميعا على معرفة بالكتاب وعلى دراية بمزايا المؤلف. ولما كانوا يحسبونني معماريا، امتدحوا رغبتي في دراسة استاذ المعمار هذا الذي يملك من المقترحات المفيدة والعملية ما يتفوق حتى على فيتروفيوس، نظراً لأنه درس العصور الكلاسيكية القديمة دراسة مستفيضة، وحاول تكييف معرفته مع حاجات زماننا. وعقدت حديثاً طويلاً مع هؤلاء الرجال الودودين، وتعلمت منهم الكثير عن المواقع الجديرة بالمشاهدة في المدينة.

ونظراً لأن ثمة كثرة من الكنائس شيدت هنا تكريما للقديسين، فمن المفيد ان يتوفر فيها مكان لاقامة النصب التذكارية للنابهين الاذكياء. لابدّ ان البورتريه النصفي للكاردينال بيمبو يشخص بين عمودين آيونيين. ان لـه وجهاً وسيماً، ويبدو منطويا على نفسه بقوة الارادة، كما ان له لحية كبيرة. وثمة عبارة منقوشة على المبنى (باللاتينية في الاصل).

رغم شهرة الجامعة في هذه المدينة، فان بنايتها سببت لي الصدمة. وانني لأشعر بالسعادة لأنني لم ادرس فيها. فمثل هذه المدرسة الضيقة لا تخطر على بال حتى التلميذ الالماني، الذي غالبا ما يعاني الآلام من المقاعد الصلبة في قاعة المحاضرات. وان قاعة التشريح، بالذات، هي مثال ساطع على الرغبة في حشر اكبر عدد ممكن من الطلاب. ويجلس المستمعون في طبقات تعلو بعضها بعضا في نوع من مدرج يشبه القمع. ويضطر الطلاب الى توجيه انظارهم من الجرف العلوي الى الاسفل، حيث المنبر الضيق الذي يؤوي منصة طاولة التشريح. ولما كان ضوء النهار لا يبلغ المنصة، فان الاستاذ يعرض درس التشريح على ضوء نواسة.

أما حديقة قسم علم النبات فاكثر لطفاً. وان الكثير من النباتات ييقى في الارض طوال الشتاء كله ان زُرع قرب الجدران. وباقتراب نهاية تشرين الاول، يسقّف هذا المكان، ويدفأ خلال اشهر الشتاء الباردة، على قصرها. ان الطواف للتفرج على انواع جديدة من النباتات يبعث على السرور ويمده المرء بالمعرفة. وان ما يصح على النباتات المألوفة انما يصح على الاشياء المألوفة: ففي النهاية نكف عن التفكير فيها تماما. ولكن ما فائدة النظر من دون تفكرّ؟ ها هنا، حيث اواجه اخلاطاً شتى من النباتات، اجد ان فرضيتي بأن سائر اشكال النبات يمكن ان تشتق من نبتة واحدة اصلية تزداد وضوحا واثارة. الواقع، ليس بالامكان فرز اجناس وانواع النبات بدقة إلا بعد قبولنا بفكرة نشوئها عن اصل واحد. واعتقادي ان هذا الفرز قد جرى، حتى الآن، بصورة تعسفية تماما. عند هذه المرحلة من فلسفتي في علم النبات، اجدني في طريق مسدود، ولا أرى سبيلاً للفكاك منه. غير ان هذا الموضوع بأكمله يبدو لي عميق الغور، ذا نتائج بعيدة المدى.

ان الساحة التي تدعى براتوديلا فاله، حيث يقام المعرض الرئيس في حزيران، مترامية الاطراف. وان منظر الاكشاك الخشبية في وسط الساحة منفر حقا، لكن البادويين يؤكدون لي انهم سيشيدون سوقاً من الحجر كالقائم في فيرونا. وان المباني المحيطة بالساحة تبدو بهية، وتبشر خطة البناء بالخير.

وتنتصب حول حافة الدكة البيضوية في الساحة تماثيل مشاهير الرجال الذين تولوا التدريس أو تلقوا التعليم هنا. ويسمح لكل مواطن أو اجنبي بأن يصنع تمثالاً بحجم معين لأي من اقربائه أو ابناء جلدته، بمجرد اثبات حسناته وصلته بالجامعة.

وتحيط بالدكة البيضوية قناة. وتزدان الجسور الاربعة للقناة بتماثيل ضخمة للبابوات والقضاة الاوائل للمدينة، اضافة الى تماثيل اخرى صغيرة نصبتها طوائف الحرفيين، وافراد خواص، واجانب. ولقد تبرع ملك السويد

بتمثال لجوستاف ادولفوس الذي يقال انه أمّ محاضرة في بادوا. واحيا الارشيدوق ليوبولد ذكرى بترارك وجاليليو. وان التماثيل منحوتة باسلوب حديث تماما، وان بعضها، وهو قليل، بالغ التكلف، وبعضها الآخر قريب الى الحياة، لكنها جميعاً صنعت بازياء عصر الشخصيات، ووفقا لمكانتها الرسمية. ولا تحوي العبارات المنقوشة ما يجافي الذوق أو الرفعة.

وتعد هذه الفكرة مناسبة حقا في أية جامعة، ولكن لا أبدع منها في بادوا، لأن المرء يجد هنا احياء للماضي الذي بات الآن مغلقاً.

وتوجد في مكان اجتماعات يعود الى اخوانية دينية مكرسة للقديس انطوني، لوحات قديمة، شبيهة باعمال المدرسة الالمانية القديمة، بينها لوحات بريشة تيتيان، تعكس التقدم في الفن الذي احرزه بما يفوق ما احرزه أي رسام على الجانب الآخر من جبال الالب حتى الآن. كما رأيت ايضاً المزيد من اللوحات الحديثة. ورغم ان هؤلاء الفنانين ما عاد بمقدورهم بلوغ الجلال السامي لاسلافهم، فانهم قد اصابوا نجاحا بالغاً في الاجناس الخفيفة. وان لوحة قطع رأس القديس يوحنا المعمدان، بريشة بيازيتا، هي لوحة جيدة تماما، ان غفرنا لهذا المعلم ما عنده من تكلّف.

يظهر القديس يوحنا المعمدان راكعاً، وركبته اليمنى تتكئ الى صخرة، ويداه مضمومتان، وهو ينظر متضرعاً الى السماء. ونرى خلفه جندياً يمسك بوثاق القديس، وينحني الى الامام ليرى الى وجه القديس وكأنه مندهش من رباطة جأشه. ويصور القسم العلوي من اللوحة جنديا آخر واقفا بطوله، وهو يتهيأ، كما يبدو، لتسديد الضربة الفاتكة؛ إلا انه لا يحمل سيفاً، وهو يقوم بحركة معينة بيديه توحي وكانه يتمرن على تسديد الضربة مسبقاً. ويوجد دونه جندي ثالث، يستل السيف من غمده. ان فكرة اللوحة مناسبة، وان لم تكن على قدر ملحوظ من العظمة، أما التكوين فاستثنائي ومؤثر.

ورأيت في كنيسة اريميتاني بعض اللوحات المذهلة بريشة مانتينا، وهو واحد من اقدم الاساتذة. ما اروع واقعيتها، الصارمة، الواثقة! ان هذه الواقعية بالذات، التي لا تكتفي باثارة المخيلة، بل تتميز بالرسوخ، والوضوح، والدقة الرهيفة، كما تتميز بالتقشف والجهد الجهيد، هي المنبع الذي استمد منه الرسامون اللاحقون مكامن قوتهم، وهو ما لاحظته في رسوم تيتيان. وبفضل هؤلاء الاسلاف امكن لعبقرية الاخلاف وطاقاتهم ان تسمو فوق الارض، وان تبتدع اشكالاً سماوية تحتفظ، مع ذلك، بالواقعية. على هذا النحو تطور الفن بعد العصور المظلمة.

ان قاعة الجمهور في قصر بالازوكوميونال، التي اغدقوا عليها بحق لقباً معززاً جامعاً هو: الصالون (بالايطالية)، هي كناية عن قوقعة هائلة، مغلقة، يصعب على المرء ان يحتفظ بصورتها في ذهنه حتى وان كان قد عاد منها لتوه. يبلغ طول القاعة ثلاثماية قدم، وعرضها ماية قدم، أما ارتفاعها من الارضية حتى السقف المزدان بالقناطر، فيصل الى ماية قدم. لقد بلغ اعتياد الناس على العيش في الهواء الطلق حداً اعاق المعماريين في قضية وضع قناطر سقيفة فوق ساحة السوق، كما يقال. فوجود مثل هذه المساحة الواسعة المسقوفة بالقناطر يخلف لدى المرء شعورا غريباً حقاً. فهو يرمز الى التناهي المنغلق، الاقرب الى الطبيعة البشرية منه الى السماء المرصعة بالنجوم. ان السماء تدفعنا للخروج من ذواتنا، أما هذا الحيز المغلق فيدفعنا الى الانكفاء داخل ذواتنا.

ولهذا السبب عينه أود ان اغنم بعض الراحة في كنيسة القديس سانت جيوستينا، التي يبلغ طولها اربعماية وخمسة وثمانون قدما، أما العرض والارتفاع فيتناسبان مع هذه الابعاد. جلست الليلة هناك في زاوية من هذه الكنيسة لأغرق في التأمل. وشعرت بوحدة مطبقة، فما من كائن في الخليقة، حتى ذلك الذي صادف ان فكر بي تلك اللحظة، كان سيبحث عني في هذا الركن القصي.

حزمت حقائبي مرة اخرى. سارتحل غدا صباحاً الى برنيتا في قارب. امطرت السماء اليوم، لكن الجو صاف الآن، وآمل ان أرى برك الماء في ضوء الشمس الساطع، وارسل التحايا الى اصدقائي من احضان بريدا ملكة البحر.