بادوا، 26 أيلول (سبتمبر)، المساء
وصلت هنا بحقائبي ومتاعي، بعد رحلة استغرقت ثلاث ساعات ونصف الساعة من فيشينزا في عربة سباق احادية المقعد يسمونها سيديولا. كان بالوسع قطع المسافة عينها في نصف هذه المدة؛ غير اني كنت اتوق الى الاستمتاع بروعة النهار في الهواء الطلق، لذلك لم اتأسف كثيـرا لأن سائسي (vetturino) لـم يفلح فـي الايفـاء بالتزامه. مضينا في العربة نحو الجنوب الشرقي صوب سهل خصيب يقع بين سياجات واشجار دون ان تقع عيناي على شيء مميز. اخيرا، انبجست، من جهة اليمين، سلسلة جبال جميلة تمتد من الشمال الى الجنوب.
ان وفرة الازهار والفاكهة المتدلية من الاشجار فوق الاسيجة والجدران، لمذهلة حقا. كانت السقوف مثقلة باليقطين، أما الخيار غريب الشكل فكان يتدلى من الاعمدة والعرائش.
وحظيت من برج المراقبة باطلالة على مشهد مجيد للريف المحيط. فالى الشمال ثمة جبال الالب التيرولية، المكللة ذراها بالجليد، المتخفية وراء السحاب، والملتقية في الشمال الغربي بتلال فيشينزا. أما الى الغرب فأقرب، فتلوح للناظر الخطوط الصارمة لتموجات تلال ايسته. وأما الى الجنوب الشرقي فثمة سهل منبسط، متصل، يمتد الى آخر الافق مثل بحر أخضر، وهو مزدان بالاشجار، شجرة بعد اخرى، وحرشا بعد حرش، وحقلاً بعد حقل، ومرصع ببيوت بيضاء وفيلات وكنائس لا عد لها، تنبجس من هذا البساط الاخضر. وبوسع المرء ان يرى برج سان ماركو، والابراج الاخرى الادنى في مدينة البندقية في الافق، رؤية جلية.