28 أيلول (سبتمبر)، 1786
دعوني ادون بضع كلمات عن مغامراتي منذ ان تركت بادوا. لقد كانت الرحلة في مياه برينتا، وفي قارب عمومي، صحبة مسافرين على قدر بالغ من التهذيب، نظرا لأن الايطاليين يلتزمون جانب الأدب الجم في التعامل مع بعضهم البعض، مريحة، وسارة. يعج شاطئا النهر بالجنائن، والمنازل الصيفية، المشادة من الخشب، في املاك صغيرة تمتد حتى ضفتي النهر، وتحاذي الطريق العمومي المزدحم، في بعض الاحيان. ولما كنا نمضي في النهر نزولا من مستوى الى مستوى ادنى، مارين بسلسلة بوابات مغلقة، فقد حصلت تأخيرات بين الحين والآخر، افدنا منها بالرسو عند الشاطيء، والتلذذ باطايب الفاكهة، المقدمة لنا. بعد هذا، كنا نركب القارب ونواصل الانزلاق على صفحة الماء وسط عالم جديد، نابض بالحياة.
هناك صور متنوعة شتى مما يراه المرء، وقد اضيفت اليها صورة جديدة ـ ثمة حاجّان وجدا لهما مستقرا في هذه الاصقاع، رغم مجيئهما من المانيا. وهما أول الحجاج الذين اراهم عن هذا القرب. وينعم هذان بحق السفر المجاني في وسيلة السفر العمومية هذه. ولما كان المسافرون الآخرون قد فضلوا تحاشي هذين الحاجّين، فقد جلسا في موقع معزول عند المؤخرة مع النوتي موجه الدفّة. ان وجود مثل هؤلاء الحجاج أمر نادر هذه الايام. الواقع ان الكل راح يحدق فيهما باستغراب، ويعاملهما معاملة تخلو من الاحترام، والسبب، كما يبدو، ان كثرة من الاوغاد كانوا يجوبون الريف متخفين في زي حجيج. وحين عرفت ان الحاجين المانيان لا ينطقان بكلمة في أية لغة اخرى، توجهت للتحدث اليهما، وعلمت انهما جاءا من منطقة بادربورن. يقارب الرجلان الخمسين من العمر، ولهما وجهان اسمران، طافحان بالطيبة. كان مقصدهما باديء الأمر زيارة مقام الحكماء المجوس الثلاثة في كولون، بعد ذلك راحا يجوبان في ارجاء المانيا، أما الآن فانهما يقصدان روما. بعد ذلك يعتزمان العودة للمقام في شمال ايطاليا؛ وبعدئذ سيؤوب احدهما عائدا الى مسقط رأسه في ويستفاليا، أما الآخر فيواصل الحج الى مقام القديس ياجو دي كومبوستيلا.
ان عادة الطواف والحج هذه تقليدية تماما، إلا ان الرجلين كانا مدثرين بكثرة من الثياب الوسطية، وبدا عليهما انهما في حال افضل من عادة لبس التفتا الطويلة التي يمس ذيلها الارض مما نرتديه عادة في حفلات الرقص التنكرية حين تريد التنكر في اهاب حاج. وان كل ما يرتديه هذان من غطاء كتف عريض، وقبعة مدورة، وما يحملانه من محارة مدورة، هي اكثر اواني الشرب بدائية، انما يكتسب معناه من استعماله المباشر. وكانا يحتفظان بجوازي سفرهما في علبة من القصدير. لعل اغرب ما في متاعهما هو حقائبهما المغربية، الحمراء، الصغيرة المعمولة من جلد الماعز، التي تحوي الحاجات الصغيرة اللازمة في حياتهما اليومية. وقد استخرجا منها ما يلزم لرتق ثيابهما.
وسعد النوتي، موجّه الدفة، بوجود مترجم مثلي، فطلب مني ان اوجه اليهما اسئلته. وبهذا الطريق علمت المزيد عن آرائهما ووجهتهما في الارتحال. اشتكى الاثنان شكوى مريرة من اقرانهم المؤمنين، بل حتى من القسس والرهبان. وقالا ان الورع، كما يبدو، نادر تماماً، وانهما لم يجدا من يميل الى تصديق ورعهما؛ وقد عاملهم سائر من في المناطق الكاثوليكية، دون استثناء، كما لو كانا شريرين طريدين، رغم انهما اطلعا الناس على توجيهات الطواف التي وضعها رؤوساهم في الكنيسة، وابرزا جوازي سفرهما الموقعين من اسقف موطنيهما. من جهة اخرى، وصفا لي في غبطة عظيمة حسن ما لقياه من معاملة من جانب البروتستانت، وبخاصة لطف معاملة راع ابرشية ريفية في سوابيا، ولطف معاملة زوجته، التي اقنعت زوجها المتردد نوعا ما بأن يأذن لها في ان تطعمهما زادا كانا بأمس الحاجة اليه. وحين همّا بالمغادرة اعطتهما تالراً واحداً، فكان ذلك هبة من السماء اسعفتهما عند العودة ثانية الى منطقة كاثوليكية. وبعد ان قصا عليّ هذه الحكايات، قال احدهما بنبرة طافحة بالجد: "بالطبع، نحن ندعو لهذه المرأة بالخير في صلواتنا كل يوم، ونبتهل الى العلي القدير ان يفتح عينيها مثلما فتح لنا قلبها، وان يفسح لها، حتى بعد هذا التأخر، مكانا رؤوما في احضان الكنيسة الوحيدة الحق ونأمل؛ كما نؤمن، ان نلتقيها في فردوس النعيم، في الدنيا الآخرة."
كنت جالسا على الدرجات الصغيرة المؤدية الى سطح السفينة وأنا اترجم زبدة هذه المحاورة للنوتي، موجه الدفة، ولآخرين ممن تركوا القمرة وتجمعوا للاصغاء في هذا الحيز الضيق. في غضون ذلك جيء بالطعام الى هذين الحاجين، وهو نزر يسير، لأن الايطاليين لا يستطيبون الجود. بعد ذلك اخرج الحاجان قصاصات صغيرة مكرسة، تحمل صور الحكماء المجوس الثلاثة ونصوص تراتيل ابتهال باللاتينية، وطلبا مني ان اوزعها على الجماعة الصغيرة من الواقفين، وان اشرح لافرادها قيمتها الكبيرة. ونجحت في هذا الاداء ايضا. وحين عبرا عن الحيرة في العثور على الدير الذي يؤوي الحجيج في مدينة كبيرة مثل البندقية، وعدهما النوتي، العطوف، ان يدفع ثلاثة سنتافيات، حال الرسو، لصبي سيرشدهم الى الدير النائي. واضاف، في صوت خفيض، انهما لن يصيبا الكثير من الراحة هناك. ان مؤسسة الدير هذه التي انشئت على مقياس كبير لكي تؤوي ما لا يعلمه إلا الله من اعداد الحجيج الغفيرة، قد تقلصت الآن، واحيلت ايراداتها لكي تنفق على اغراض اخرى. وكنا نبحر، اثناء الحديث، في مياه نهر برينتا، مخلفين وراءنا جنائن بديعة، وقصورا منيفة، وملتقطين نظرات خاطفة من مدن الشاطيء المزدهرة. اخيرا ولجنا البحيرات الصغيرة، فتحلقت الجندولات حول سفينتنا، في الحال. ودعاني مسافر من لومباردي، وهو رجل ذائع الصيت في البندقية، الى ان اشاركه الجندول حتى نبلغ المدينة بسرعة قصوى، ونتحاشى عذاب الجمارك (بالايطالية). اراد البعض ابقاءنا، إلا اننا افلحنا، ببقشيش متواضع، في ان نتخلص من هؤلاء، وان ننزلق على صفحة الماءن في ذلك المغيب الهاديء، صوب مبتغانا.