29 أيلول (سبتمبر)، عيد القديس ميكائيل




لقد قيل الكثير وكتب الكثير عن البندقية، الى درجة اني لا اريد ان اصف المدينة وصفا مسهبا. ولسوف اكتفي بذكر انطباعاتي المباشرة. ان اشد ما يذهلني هنا هو الناس مرة اخرى، الناس في وجودهم الجماعي، الفطري المحض.

ان هذا الجنس من بني البشر لم يلتجيء الى هذه الجزر طلباً للهو، ولا كان من لحق بهم بعد ذاك قد جاء بمحض الصدفة؛ فالضرورة علمتهم ان يجدوا الامان في اكثر المواقع وعورة. وقد تحولت هذه النقيصة، فيما بعد، الى مزية كبرة لصالحهم، وامدتهم بالحكمة والحصافة في وقت كان معظم العالم الشمالي مايزال غارقاً في الظلمات. وقد اسفر ذلك عن مآل منطقي بزيادة عدد سكانهم وثرائهم. كانت المنازل متلاصقة وكثيفة، أما الرمل والسبخ فقد تحولا الى ارصفة صلدة. ونمت البيوت عالية مثل اشجار باسقة، كثيفة، لتعوض في العلو ما حرمت منه في الاتساع بالعرض. ولما كانوا حريصين على كل بوصة من اليابسة، وكانوا محشورين حشرا في حيز ضيق منذ البداية، فقد رسموا دروبا ضيقة تفصل بين صفين من البيوت، وتبلغ الدروب من الضيق مبلغاً لا يسمح بمرور اكثر من شخصين. أما الشوارع والساحات فقد احتلها الماء. نتيجة ذلك ان قيض للبندقي ان يتطور وينمو كجنس خاص من المخلوقات، ولهذا السبب فان البندقية ايضا لا تشبه سوى نفسها، ولا تقارن إلا بذاتها. وان القناة الكبرى، المسماة "جراندي كانالي"، تمضي ملتوية كالافعى بين جوانب المدينة، ولا تشبه في هذا أيا من شوارع العالم، وما من ساحة يمكن ان تقارن بالمتسع من الماء القابع قبالة بياتزا سان باركو، المغلقة من احد جوانبها بنصف دائرة هي مدينة البندقية نفسها. وهناك، بازائها، الى اليسار قليلاً، جزيرة سان جيورجيو ماجيور، والى اليمين حي اليهود مع قناته، ثم هناك، في اقصى اليمين، مقر الجمارك بمدخل يصب في "القناة الكبرى" حيث تنتصب معابد ضخمة، شيدت من المرمر المتلأليء. تلك هي، بايجاز، ابرز المعالم التي تجذب الناظر بمجرد ان يغادر ساحة بياتزا سان ماركو من خلال العمودين.

اسرعت، بعيد العشاء، الى الخروج من دون دليل، بعد ان دققت النقاط الاربع في البوصلة، وقذفت بنفسي في متاهة هذه المدينة، التي تقطعها القنوات لتربطها الجسور في كل النقاط. وان كثافة بل تكدس المدينة عصي على التخيل ما لم يشاهده المرء بأم عينيه. وعلى العموم، يمكن للمرء ان يقيس عرض أي درب بمجرد ان يفرد ذراعيه، أما في الدروب الاضيق، فان المرء سيخدش مرفقيه ان تخصّر؛ وهناك احيانا درب اعرض، أو لربما ساحة صغيرة، فسيحة بعض الشيء، لكن الضيق النسبي هو القاعدة التي تنطبق على كل شيء.

وجدت طريقي بسهولة الى القناة الكبيرة وجسرها الرئيس، المسمى بونتي ريالتو، وهو كناية عن قوس منفرد من الرخام الابيض. وحين نظرت الى الاسفل وجدت القناة تحفل بالجندولات، والمراكب التي تجلب المؤن من البر الرئيسي أو من البر عموما لتفرغها في هذه النقطة. ولما كان اليوم عيد القديس ميكائيل فان المشهد ضاج بالحياة على نحو خارق.

ان القناة الكبرى، التي تفصل بين الجزيرتين الرئيسيتين اللتين تتألف منهما البندقية، لا تحوي غير جسر واحد وحيد، هو جسر ريالتو، ولكن بالوسع عبورها في قوارب مكشوفة من شتى النقاط. ورحت اراقب باستمتاع كبير، هذا اليوم، عبور نساء انيقات متشحات بنقاب اسود، في هذه القوارب، وهن في طريقهن الى كنيسة "كبير الملائكة المبجل". تركت الجسر ومشيت قاصدا احدى نقاط الرسو لكي افوز بنظرة قريبة من هاته النساء وهن يصعدن الى القوارب للعبور. وجدت بين حشدهن اكثر من محيا حلو، وقوام أهيف.

وحين شعرت بالاعياء، تركت الدروب الضيقة، وتهالكت على مقعد في جندول. واذ كنت راغبا في التمتع بالمنظر من الجهة المعاكسة، مررت بالطرف الشمالي من القناة الكبرى، ملتفا حول جزيرة سانتا كيارا، وصولا الى البحيرات، فدخولا الى قناة دار القضاء الكبرى، حتى بلغت ساحة بياتزا سان ماركو. وحين استرخيت في الجندول شعرت بغتة، كما ينبغي لكل بندقي ان يشعر، انني سيد بحر الادرياتيك. تذكرت أبي في حنو، فما من شيء يغمره بالسعادة اكثر من وصف هذه الاشياء. وكذا كان حالي، كما اعرف. فكل ما يحيط بي انا هو صرح بديع، ثمين، لا يمثل حاكماً واحداً مفرداً، بل شعباً بأكمله. لعل بحيراتهم الصغيرة تمتلئ بالطمى، والابخرة العفنة، الضارة تخيم على مستنقعاتهم، والتجارة التي يمارسون تتدهور، وسلطانهم السياسي يضعف، لكن ذلك لن يزيح ذرة من جلال وعظمة جمهورية البندقية في عيني مراقب واحد. وان البندقية خاضعة، مثل كل مـا لـه وجود عظـيم، لعبث الزمان.