الرابع من تشرين الاول (اكتوبر)
شاهدت في مسرح تياتروسان لوقا، بالأمس، مسرحية كوميدية مرتجلة، اداها الممثلون بالاقنعة، وبعزف موسيقي بارع. وبالطبع، كان اداء الممثلين متبايناً. فمثلاً ان بانتالوني اجاد كثيرا، وثمة امرأة تميزت باداء رائع وحضور مسرحي مكين، رغم انها ليست من الممثلات البارزات. كان موضوع المسرحية خياليا، أو شبيهاً بالمواضيع التي تمثل في بلادنا بعنوان "المكّار".
اصبنا متعة كبيرة على مدى ساعات ثلاث بالموقف الهزلي تلو الآخر. ولكن، من جديد، ان الاساس في المسرحية كلها هم عامة الناس؛ فالنظارة يشاركون في المسرحية، ويغدو الجمهور جزءا من المسرح. فخلال ساعات النهار تعج الساحات والقنوات والجندولات وردهات المباني بالحياة، اذ يأخذ الشاري والبائع، والمتسول والنوتي، وربة البيت والمحامي، بالبيع والشراء، والغناء والمقامرة، والصراخ والحلف بالايمان. وفي المساء، يتوجه هؤلاء انفسهم الى المسرح ليشاهدوا حياتهم الحقيقية، معروضة امامهم في ايجاز وتكثيف قابل للتصديق، ولكنها ممزوجة بحكايا خرافية، ومفصولة عن الواقع بواسطة الاقنعة، مع ذلك، يظل العرض، بشخوصه، وتصرفاته، يمثل الحياة التي يعيشون ويعرفون. وتراهم يفرحون بذلك، مثل الاطفال، فيصفقون ويهتاجون، ويصخبون في تهريج عام. وهم لا يتبدلون في سلوكهم هذا، من مغيب الى مغيب، ومن منتصف الليل الى منتصف ليل آخر. والحق اني لم اشهد تمثيلاً تلقائيا طبيعيا تلقائية الممثلين لابسي الاقنعة، وهذا فن رفيع لا يمكن بلوغه إلا بالتوفر على طبيعة فائقة المرح، وبالمران المديد.
وأنا اكتب هذه السطور يندلع هرج منتظم تحت نافذتي، رغم اننا تجاوزنا منتصف الليل، وهؤلاء الصاخبون الهائجون ينتوون معاً شيئا ما، خيراً أو شراً. وسعمت الآن ثلاثة اشخاص يحكون قصصاً في ساحة أو دكة، وكذلك اثنين من المحامين واثنين من الواعظين، وجمهرة من الممثلين الكوميديين. وان لدى هؤلاء جميعاً خصال مشتركة، ليس لأنهم ابناء جلدة واحدة يعيش فيها الناس في الحياة العامة طوال الوقت، وانهم تواقون للكلام فحسب، بل لأنهم ايضا يحبون محاكاة بعضهم البعض، ويملكون لغة ايماء مشتركة ترافق ما يقولون ويشعرون.
اليوم هو عيد القديس فرانسيس، وقد توجهت الى كنيسة الفينا المكرسة لهذا القديس. ان صوت الأب الكبوتشي الهدار يختلط بزعيق الباعة أمام الكنيسة. كنت اقف في مجاز المدخل بين الاثنين، وبدت الاصوات غريبة حقاً.