الثالث من تشرين الاول (اكتوبر)




أسرف الاخوة الكبوشيين في تزيين احد جوانب المذبح، تبجيلا لذكرى القديس فرانسيس. ولم يتركوا رخاماً عارياً سوى الاعمدة الكورنثية؛ أما الباقي فقد ستروه بما يلوح انه تطريز عربي بديع. ولقد اثارت اعجابي على نحو خاص السيقان اللولبية والاوراق المطرزة بخيوط من ذهب، وحين عاينتها عن كثب اكتشفت الخدعة الذكية. فكل ما توهمته ذهباً كان معمولاً، في الواقع، من القش، المضغوط حتى يستوي، ويلصق على ورق في تصاميم اخاذة. ودهنت الارضية بالوان صارخة، اخاذة، وقد نفذ الديكور كله بذوق رفيع. ولو ان مادة هذه القطعة اللطيفة صنعت من الذهب، بدل القش المكرس لهذا الدير، لبلغت كلفتها بضعة آلاف من التالرات. وبالمناسبة، من المفيد ان نحذو حذوهم في هذا.

ولاحظت مرارا، من رصيف يطل على الماء، انسانا قميئاً يحكي حكايات بلهجة أهل البندقية التي لا افقه منها كلمة واحدة، لسوء الحظ. وكان جمهوره يتألف، بمعظمه، من اناس ينحدرون من ادنى الطبقات. لم تبدر من احدهم ضحكة، ونادراً ما علت وجه احدهم بسمة. ولم يكن في اخلاقه ما ينم عن التطفل أو التساخف، بل كان بالاحرى وقوراً، كما ان تنوع حركاته، ودقة ايماءاته، ينمان عن براعة فنية وذكاء فطين.

امسكت الخريطة بين يدي ورحت اشق طريقي في متاهة الدروب للوصول الى كنيسة منديكانتس. ها هنا اكاديمية الموسيقى التي تتمتع في الوقت الحاضر بسمعة رفيعة. ثمة نساء يترنمن بموشحات دينية خلف جوقة المنشدين، وكانت الكنيسة حافلة بالمستمعين، والموسيقى تصدح بديعة، والاصوات رخيمة، عذبة. وانشد مغني الصوت العالي قسما من "الملك شاؤول"، البطل في هذا العمل الفني. لم يسبق لي ان سمعت مثل هذا الصوت قط. كانت بعض مقاطع الموسيقى ذات جمال لا متناه، وكان النص موائماً للانشاد ـ بنوع من اللاتينية الايطالية، التي تدفع المرء الى الابتسام احيانا، لكنها تضفي على الموسيقى رحابة تامة.

كان الاداء سيكون ممتعاً غاية الامتاع لو ان المايسترو اللعين كفّ عن تضبيط الايقاع برزمة ملفوفة من اوراق النوطات على حاجز باسلوب متغطرس، كما لو انه كان يدرب تلاميذ مدرسة. لقد تدربت الفتيات على القطعة تمرينا متكررا بحيث لم يكن ثمة موجب لهذا القرع المتواصل من جانب المايسترو، وهو يشبه في هذا انسانا يريد لنا ان نقدر جمال تمثال لطيف بأن يعلق خرقاً حمراء على مفاصله.

لقد كان هذا الرجل موسيقاراً، لكنه لا يسمع، كما يبدو، الايقاعات الناشزة التي كان يصدرها لتخرب تناغم الكل. لعله يريد جذب الانتباه الى نفسه بهذا التصرف الغريب؛ لعله كان سيقنعنا بمزاياه على احسن وجه لو حرص على كمال الاداء. انني اعرف ان هذا الضرب من ارباك الايقاع مألوف عند الفرنسيين، لكني لم اكن اتوقعه من الايطاليين. غير ان الجمهور بدا معتاداً على ذلك. ولم تكن هذه هي المناسبة الوحيدة التي أرى فيها الجمهور يتوهم ان الشيء الذي يفسد

متعة العمل هو جزء ضروري منه.

ذهبت ليلة أمس الى اوبرا في سان موسيه (ان اسماء المسارح هنا تستمد من اسم اقرب كنيسة) ولم اتمتع بالعرض كثيرا. فنص الاوبرا وموسيقاها، ومغنوها، كانوا يفتقرون جميعاً الى تلك الطاقة الجوهرية التي تلزم مثل هذه العروض كيما تبلغ الكمال. لا اقول ان كل محتويات العرض كانت سيئة، بل القول ان المرأتين تولتا عناء اجادة التمثيل والارضاء في آن. وكان ذلك جديرا بالثناء على أي حال. كانت كل واحدة من هاتين المرأتين ذات قوام جميل وصوت رخيم، بل كانتا مخلوقتين مفعمتان بالحيوية، والانبساط. أما الرجال فكانوا يغنون بلا أدنى ذوق، وكانت اصواتهم تفتقر الى البراعة تماما.

أما الباليه فقد خلا من الافكار، وقد استقبله الجمهور بالجئير معظم الوقت. وهناك واحد أو اثنين من الراقصين، من الجنسين، حظوا بتصفيق صاخب. ويبدو ان الراقصات الاناث اعتبرن ان من واجبهن ان يسمحن للنظارة بالتعرف على كل مواضع الفتنة من اجسامهن.

اليوم، رأيت نوعا مختلفاً من الكوميديا تمتعت به اكثر من سابقه. ففي قصر الدوقية شاهدت محاكمة هامة، تصادفت مرافعاتها، لحسن حظي، خلال العطلة. كان احد المحامين يتمتع بكل ما يميز مهرج المسرح من مبالغات: فهو قصير وسمين، ولكن سريع الحركة، وذو مظهر جانبي بارز، وصوت جهوري، ولباقة مهيجة للعواطف، وكأن كل ما يقول يصدر عن اعماق فؤاده.

واسمي هذه المرافعة كوميديا نظراً لأن كل الامور، على الارجح، قد سويت قبل بدء المرافعة العامة؛ فالقضاة يعرفون ما ينبغي لهم قوله، والاطراف المتنازعة تعرف ما ينتظرها. مع ذلك، فاني احبذ هذا النوع من المرافعات على نظامنا البيروقراطي، المعقد والصاخب. دعوني احاول ان اعطيكم فكرة عن الطريقة المسلية، التلقائية، غير الرسمية التي تجري بها هذه الشؤون هنا في البندقية.

ثمة قاعة فسيحة في قصر الدوقية يجلس فيها القضاة على هذا الجانب في شكل نصف حلقة. وتربض قبالتهم منصة كبيرة بما يكفي لمقاعد عدة اشخاص يجلسون الى جانب بعضهم البعض، وهم محامو الطرفين المتخاصمين. وهناك مصطبة قبالتهم يجلس عليها المدعي والمدعى عليه. حين دخلت القاعة، كان محامي المدعي قد غادر المنصة، نظراً لأن جلسة هذا النهار ليست مخصصة للمبارزة القانونية، فهي مكرسة لقراءة كل الوثائق، وثائق الاثبات والنفي، بصوت مسموع، رغم ان الوثائق مدونة. ثمة حاجب مهزول يرتدي سترة سوداء كالحة، ويحمل بين يديه ملفاً ضخماً، يستعد لاداء واجبه كقاريء وثائق. كانت القاعة ملأى بالنظارة، ومن الواضح ان هذه القضية القانونية كانت هامة تماما في نظر جمهور البندقية، كما في نظر الاطراف المتخاصمة.

ان املاك الوقف (Fideicommisums) تتمتع بمكانة حقوقية رفيعة في الجمهورية. وما ان يُختم على املاك معينة بهذا الطابع، حتى تحتفظ به على الدوام، حتى لو كانت قد بيعت، لهذا السبب أو ذاك، قبل بضعة قرون خلت وانتقلت الى ايادي كثرة من المالكين. واذا ما اثيرت قضية حقوق الملكية ابداً، فان احفاد العائلة الاصلية يستطيعون الجهر بحقهم في التملك، ولابد من عودة الاملاك اليهم.

وكان التحكيم في القضية الحالية ذا اهمية خاصة، لأن الشكوى مرفوعة على الدوج نفسه (Doge)، أو بالاحرى على قرينته، التي كانت جالسة هناك، على الاريكة الصغيرة، متلفعة بشالها ذي القلنسوة (الزندال). كانت سيدة من عمر معين، ذات مظهر نبيل، وملامح اعتيادية، ويعلو وجهها تعبير حاد، بل حتى مرير. وكان اهل البندقية فخورين بأن يروا الاميرة تمثل في المحكمة علناً، وفي قصرها بالذات.

بدأ الحاجب تلاوة الوثائق، وعندئذ فحسب ادركت مغزى الرجل القميء الجالس على مقعد واطيء وراء طاولة صغيرة، ليس بعيدا عن منصة المحامين، كما ادركت اهمية الساعة الزجاجية الرملية الموضوعة أمامه. لا يحسب الوقت طالما كان الحاجب يواصل التلاوة، أما اذا رغب المحامي في مقاطعة التلاوة، فانه يمنح فترة محددة من الوقت. حين يطالع الحاجب الوثائق، تضطجع الساعة الزجاجية الرملية على جانبها، ويد الرجل القميء على تماس معها. ولكن ما ان يفتح المحامي فمه، حتى ينصب الرجل الساعة على قاعدتها، ويضجعها على جنبها حال فراغ المحامي من المرافعة.

وعليه، حين يرغب المحامي في ان يجذب انتباه الجمهور أو يعترض على الدليل المقدم، فان ذلك يتطلب منه مهارة فائقة في ان يقدم تعليقات محكمة، بالغة الايجاز. وحين يفعل ذلك فان إله المواقيت، ساتورن، القميء، المعني بالساعة الزجاجية، يرتبك ايما ارتباك، ويظل يقلب الساعة تارة الى وضع افقي، وطورا الى وضع عمودي كل دقيقة، ويجد نفسه في حال اخرق كحال الارواح الشريرة في مسرحية الدمى، حين يزعق المهرج الشرير (بيرليك، بيرلوك!" في تتابع سريع بحيث لا يعرف المنادون أيتعين عليهم ان يأتوا أم ينصرفوا.

ان الشخص الذي اعتاد سماع المقارنة بين الوثائق في ساحة القضاء هو وحده القادر على تخيل هذه الطريقة في تلاوة نصوص الوثائق، قراءة سريعة، رتيبة، لكنها فصيحة وواضحة. وان المحامي البارع ليعرف كيف يزيل الشعور العام بالرتابة والملل باطلاق تعليقات ظريفة، يستجيب لها الجمهور بضحك مجلجل. واتذكر واحدة من النكات، وهي من اطرف ما امكن لي استيعابه.

كان الحاجب يتلو نص وثيقة تفيد ان المالك، الذي تعلو الشبهات حقه في التملك، باع الاملاك موضع الخلاف. فطلب المحامي من الحاجب التمهل في القراءة، لكن الحاجب مضى في القراءة قائلاً: "أنا اعطي واورث"، فهتف المحامي بوجهه "ماذا لديك حتى تعطي أو تورث؟ ايها الشيطان الفقير، الجائع، الذي لا يملك قرشاً!" ثم اضاف، بعد ان تمالك نفسه وهدأت نبرته "على أي حال، يمكن قول الشيء نفسه عن صاحبنا المالك البديع. لقد اراد ان يعطي وان يورث ملكاً لا يخصه اكثر مما يخصك أنت." تبع ذلك ضحك هادر استمر وقتاً طويلاً، لكن الساعة الزجاجية اعيدت في الحال الى وضعها الافقي ومضى الحاجب في التلاوة وهو يعبس في وجه المحامي. غير ان هذا التهريج مرتب، باكمله، منذ البداية.