الخامس من تشرين الاول (اكتوبر) المساء




عدت لتوي من مشاهدة مسرحية "المأساة"، وأنا ما ازال اضحك، واذن دعوني اصف هذه المهزلة على الورق في الحال. لم تكن هذه القطعة المسرحية سيئة، فقد كوّم فيها المؤلف كل الاوراق المأساوية للتراجيديا، كما ان الممثلين اضطلعوا بادوار حسنة. ان اغلب المواقف مبتذل، تفه، لكن بعض المشاهد كان طرياً وموفقاً. تدور القصة عن اثنين من الآباء يبغضان بعضهما، أما ابناء وبنات هاتين العائلتين المتناحرتين، فهم واقعون في غرام بعضهم بشكل جارف، بل ان اثنين منهما يتزوجان في السر. وتعج الاحداث بمشاهد العنف والقسوة المستمرة، ولا يبق في النهاية ما يكفل سعادة الفتيان والفتيات سوى ان يتقاتل الابوان، وينتهيان بتسديد الطعنات المميتة لبعضهما البعض فتسدل الستارة وسط تصفيق عاصف. ولم يكف الجمهور عن الهتاف "اخرجوا" (بالايطالية)، حتى جاء البطلان الرئيسيان من خلف احد جوانب الستارة، لينحنيا تحية للجمهور،وينصرفا من الجانب الآخر.

لم يكتف الجمهور بذلك بل واصل التصفيق مطالبا بخروج "الموتى!" (بالايطالية) حتى خرج الابوان القتيلان في المسرحية لينحنيا اكراما للجمهور، حيث تصاعدت بعض الاصوات "برافو ايها الموتى" (بالايطالية)، وابقاهما الجمهور بعض الوقت قبل ان يأذن لهما بالخروج من خشبة المسرح. وابتغاء تقدير وادراك كامل هذه السخافة، ينبغي للمرء ان يشاهدها بنفسه. ان اذناي ماتزالان تطنان بعبارات الاستحسان "برافو، برافو!" التي يظل الايطاليون يلهجون بها ابداً، أما الآن فان هذا الاستحسان والثناء يغدق حتى موتى المسرحية. عمتم مساء! نلفظ نحن الشماليين هذه العبارة في أية لحظة بعد المغيب، بمجرد ان ننصرف عن بعضنا؛ أما الايطاليون فيقولون "طاب مساؤك" (بالايطالية) مرة واحدة، ببراعة، حين يؤتى بالنواسة الى الغرفة في اللحظة الفاصلة بين النهار والليل، ولذا فان لهذه العبارة معنى مغايراً تماما. ان اصطلاحات أية لغة عصية على الترجمة، ذلك ان كل كلمة، من انبل الكلمات الى اكثرها ضعة، انما تتصل بفرادة شخصية، ومعتقدات، وطراز حياة الشعب الذي ينطق بها.