السادس من تشرين الاول (اكتوبر)




تعلمت كثرة من الامور من المسرحية التراجيدية التي شاهدتها بالامس. ابتداء، اصغيت الى الكيفية التي ينطق بها الايطاليون الاوزان الشعرية المؤلفة من احد عشر مقطعاً. وأرى الآن بأية مهارة جمع الفنان كوزي استخدام الاقنعة بالشخصيات التراجيدية. فهذه هي الخلطة المناسبة لاناس ينشدون اثارة عواطفهم بأكثر السبل فظاظة. فهم لا يتأثرون عاطفياً بسوء المصير. بل يتمتعون بقوة وحسن القاء البطل للشعر. انهم ينقادون انقياداً كبيراً بالخطابة والالقاء، كما يريدون، في الآن ذاته، ان يضحكوا على بعض السخافات.

وان اهتمامهم بأية مسرحية يقتصر على ما يشعرون بانه واقعي. فمثلاً حين اعطى الطاغية السيف لابنه وأمره بأن يقتل زوجته الواقفة امامه، عبر الجمهور عن سخطه ازاء هذا المطلب غير المعقول، وبلغ صخب الجمهور حدا كاد يوقف العرض كله. راحوا يزعقون على الرجل العجوز كي يستعيد السيف من ابنه، وهي حركة كان من شأنها، بالطبع، ان تخرب مسار الاحداث اللاحقة في النص. في الختام نزل الابن المحرج ورجى الجمهور في تواضع جم ان يصبر قليلاً، لأن الامور ستنتهي الى المآل الذي يريدون. غير ان المشهد الذي اعترض عليه الجمهور كان، من الوجهة الفنية الصرف، سخيفا ولا معقولا، وانني لاتفق قلبياً مع مشاعرهم.

وانني لأفهم الآن، فهماً افضل، الخطب الممطوطة في المسرحيات التراجيدية الاغريقية. فما كان الاثينيون اقل حباً للكلام من الايطاليين، بل انهم يتفوقون على الطليان في براعة الكلام. ولابد ان كتابهم المسرحيين قد تعلموا الكثير من خطابات منابر القضاء، التي كانوا يقضون فيها اياما بكاملها.

واذ تفحصت المباني التي انجزها المعماري بالاديو، وبخاصة كنائسه، فقد وجدت الكثير مما يستحق النقد الى جوار كثرة من البراعة العظيمة. وبينما كنت اتساءل في دخيلتي ان كنت مخطئاً أو مصيباً بحق هذا الرجل العظيم، بدا وكأنه يقف الى جواري ويقول: "لقد فعلت هذا وذاك خلافاً لارادتي؛ مع ذلك فقد فعلته لأنه اقرب الاشياء الممكنة الى المثال الذي اريد، في ظل

الظروف القائمة وقتذاك."

وكلما اوغلت في التفكير بالرجل قوي شعوري بانه، حين كان يتفحص ارتفاع وعرض كنيسة أو منزل قديم يراد بناء واجهة جديدة لها أو له، كان يقول لنفسه: "كيف يسعنا ان نعطي لهذا المبنى انبل صورة ممكنة؟ لأن المطالب المتناقضة كفيلة بأن تدفعك الى تشويه الاشياء هنا وهناك، بل قد تحصل ايضاً بعض النشازات. غير ان البناية ككل ستظهر في اسلوب نبيل، ولسوف تتمتع بتنفيذ العمل." على هذا النحو نفذ بالاديو تصوره العظيم الماثل في عقله، حتى وان كان هذا التصور غير موائم تماما للمكان، فكان عليه ان يفسده في التفاصيل.

ان جناح كاريتا، اذن، ينبغي ان يكون ذا قيمة مضاعفة عندنا، لأن الفنان اعطي حرية التصرف، وكان بوسعه ان يطيع املاء عبقريته دون قيد أو شرط. ولو ان بالاديو اكمل بناء الدير، لما بقي اليوم عمل معماري اكثر كمالاً منه في طول العالم وعرضه.

وكلما اوغلت في قراءة كتاباته ولاحظت، كحالي الآن، معالجته للمعمار الكلاسيكي القديم، زاد وضوح فهمي لاسلوبه في التفكير والعمل. كان رجلاً مقلاً في الكلمات، لكن لكل كلمة وزنها الكبير. وان مجلده الرابع، الذي يدرس المعابد الكلاسيكية، مدخل رائع لتعريف القاريء الذكي.