السابع من تشرين الاول (اكتوبر)
شاهدت ليلة أمس، في مسرح سان كريسوستومو مسرحية اليكترا لكريبيلون ـ مترجمة بالطبع. لا استطيع ان اصف كيف وجدتها تفهة المذاق، ولا ان اصف ما استبد بي من شعور فظيع بالملل.
الواقع ان الممثلين أجادوا، وعرفوا كيف ينقلون مغزى مقاطع معينة الى الجمهور. ففي مشهد واحد هناك لا أقل من ثلاث مناسبات يقوم فيها اوريستيس، بطل المسرحية، بالسرد، المطرز شعراً. أما الممثلة التي تتولى دور اليكترا، وهي امرأة صغيرة نابضة بالحيوية، فكانت تتلو الشعر تلاوة طليقة، لكن تمثيلها يتميز بالغلو شأن دورها، وهذا أمر مؤسي. من جديد تعلمت شيئا آخر. ان البحر الايطالي الخفيف لاوزان الشعر المؤلف من احد عشر مقطعا لا يناسب الالقاء الشعري، لأن المقطع الاخير قصير دوما، وهذا يدفع الممثل، دون ارادة، الى ان يرفع عقيرته في نهاية كل بيت.
حضرت هذا الصباح القداس الكبير في كنيسة سانتا جيوستينا، حيث يتوجب على الدوج، في مثل هذا اليوم من كل عام، ان يحضر للاحتفال بذكرى انتصار قديم على الاتراك. وترسو السفن المذهبة، التي تحمل الامير وبعض النبلاء، في الساحة الصغيرة؛ ويصطف سواق القوارب وهم يرتدون بزات خاصة بالمناسبة، ويرفعون المجاذيف في شكل متقاطع؛ أما رجال الدين وكهنة الطوائف فينتظرون على الشاطي حاملين شموعاً مضاءة، على اعواد أو شمعدانات فضية، وهم يتدافعون بالمناكب لكي يصطفوا بانتظام، بانتظار الضيف الكبير؛ ومدت صقالة النزول من السفن الى الشاطيء، وفرشت بالسجاد: في البدء يخرج الفرسان بثيابهم البنفسجية الطويلة، بعد ذلك يخرج السناتورات في ارديتهم الحمراء، واخيرا يبرز الدوج الكبير، بردائه الذهبي الطويل، ورداء الكتفين المعمول من فراء القاقم، والقلنسوة الفريجية الذهبية، وخلفه ثلاثة من الخدم يرفعون ذيل الرداء.
ان رؤية هذا الحدث يجري في ساحة صغيرة قرب ابواب الكنيسة التي رفعت عليها الرايات المنتزعة من الاتراك، يشبه مشاهدة السجاد القديم المطرز بمشاهد والوان جميلة، وقد غمرني ذلك بمتعة كبيرة، أنا الهارب من الشمال. ان مشهدا كهذا المشهد سيبدو غريباً تماماً في وطني حيث ترتدى السترات القصيرة، كقاعدة (بالفرنسية)، في كل المناسبات والاحتفالات، وان اعظم حفل نستطيع تخيله هو استعراض عسكري يحمل فيه الجنود البنادق. أما هنا فان الثياب طويلة الذيل، والمراسيم غير العسكرية، تأتي في سياقها الطبيعي.
ان الدوج رجل حلو المحيا مهيب الطلعة. ورغم انه معتل الصحة، كما يبدو بجلاء، فانه يتمالك نفسه اكراما لجلال المناسبة، منتصب القامة تحت وطأة ردائه الثقيل. وهو يبدو مثل جدّ كبير لهذا الجنس كله، ويلوح في تصرفه بالغ الكياسة والتهذيب. كانت ثيابه لائقة، وجذابة، والقلنسوة الشفافة الصغيرة التي يرتديها تحت القلنسوة لا تخز العين، لأنها تستقر على شعر لطيف ببياض الثلج.
يصحب الدوج نحو خمسين من النبلاء، معظمهم جميل الطلعة. ولم اشخص قبيحاً واحداً بينهم. وكان بعضهم طويل القامة، ذا رأس ضخم، يزدان بشعر مستعار، اشقر مجعد. أما قسمات وجوههم فكانت بارزة، والبشرة ناعمة، بيضاء، لا تشوبها شائبة منفرة. بل كانوا يبدون اذكياء، واثقي النفس، بهيجين، بعيدين عن التكلف.
حين اخذ الموكب مكانه في الكنيسة وبدأت مراسيم القداس دخلت الطوائف في ازواج من الباب الغربي، وبوركت بالماء المقدس، وركعت أمام المذبح، ثم أمام الدوج، ثم أمام النبلاء، وغادرت من الباب الواقع على اليمين.
اعددت العدة هذا المساء لسماع الغناء الشهير لسائقي القوارب، الذين ينشدون اشعاراً من تاسو واريوستو على ايقاع انغامهم الخاصة. ويتوجب حجز هذا العرض الغنائي مسبقاً، لأنه صار الآن من الاحداث النادرة، وينتمي بالاحرى الى اساطير الماضي، شبه المنسية. حين جلست على مقعدي في الجندول كان القمر قد بزغ، وطفق مغنيان، احدهما يجلس عند القيدوم والآخر عند الدفة، يترنمان بالقصيد تلو القصيد بالتناوب. وان النغم الذي نعرفه من روسو يقع وسطا بين الحوار المغنى وتراتيل الكورس، ويمضي دوماً بايقاعات زمنية واحدة دون ضربات محددة. وان انتقالات المقام هي من الصنف ذاته، ويغير المغنون طبقة الصوت تبعاً لمحتوى الشعر في نوع من الترنيم.
لن اخوض في مسألة نشوء وتطور هذا الضرب من الانغام. حسبي القول انه المثال الملائم لشخص يغني خالي البال مع نفسه، مكيفاً النغم مع القصائد التي يحفظها عن ظهر قلب.
يجلس المغني على شاطيء جزيرة، أو ضفة قناة، أو في الجندول، ثم يصدح بأعلى صوته ـ وان الناس هنا يقدرون قوة الصوت العالي اكثر مما عداه. ويتوخى المؤدي ان يمضي بصوته الى أبعد مدى على صفحة الماء، فيسمعه مغن آخر في البعيد. ولما كان يعرف النغم والكلمات، فانه يجيب مكملاً البيت التالي من الشعر. ويعود المغني الاول ليجيب عليه، فيرد عليه الثاني، وهكذا دواليك. فيغدو كل واحد صدى للآخر. ويواصلان ذلك ليلة بعد ليلة دون كلل أو ملل. واذا ما اختار المصغي الموقع المناسب، أي في وسط المسافة بين الاثنين، فان غناءهما يسحر، كلما تباعدت الشقة بينهما.
ولتقديم نموذج عن ذلك، ربط سائق القارب الجندول على ساحل دار القضاء، ومشى بمحاذاة القناة في الاتجاه المعاكس. واخذت اروح واغدو، تاركاً المغني الذي يوشك على الغناء، متجهاً صوب الآخر الذي توقف لتوه.
وشعرت، للمرة الاولى، بأثر هذا الضرب من الغناء. فالاستماع الى صوتيهما من بعيد مذهل حقا، فهو تأسي من دون حزن، فانفجرت دموعي من المآقي. فسرت الدموع بانها ثمرة مزاجي في تلك اللحظة، لكن خادمي العجوز قال لي:
لقد اراد مني ان اسمع النساء اللواتي يغنين في الليدو، وبخاصة نساء مالاموكو وبيليسترينا. وقال لـي، انهـن ينشدن اشــعار تــاسو بالنغــم نفسه، أو بنغـم مقارب، واضاف: "ان من عادتهن الجلوس عند شاطيء البحر، بينما يتوجه ازواجهن لصيد السمك في البحر، فيغنين تلك الاغاني بانغام تنفذ الى القلب، حتى يرد عليهن ازواجهن الغناء، من اقاصي البحر، فيظلون يتحاورون هكذا."
أليست هذه العادة جميلة؟ ولعلني اجرؤ على القول ان وقع مثل هذه الاصوات الغنائية، المتحدية لهدير الامواج، قد لا يلوح لمن يقف قريبا كي يصغي، لطيفاً تماماً. لكن الحافز على مثل هذا الغناء حافز انساني، اصيل يخرج انغام المقام، الذي صدع الباحثون عقولهم لفهمه دون طائل، الى الحياة. انها صرخة كائن بشري وحيد، يطلقها في هذا العالم المترامي حتى تبلغ مسامع كائن بشري آخر وحيد، وتحرك كوامنه للتجاوب.