التاسع من تشرين الاول (اكتوبر)




نهار ثمين من البداية الى النهاية! زرت بيليسترينا التي تقع قبالة كيوجيا، حيث تشيد الجمهورية دفاعات عملاقـة لصد البـحر، يسمونها I murazzi موانع، وتبنى هذه الدفاعات بكتل من الصخر دون اسمنت، ويقصد بها حماية الليدو في ايام العواصف. ان البحيرات هنا هي من ابداع الطبيعة. وان تفاعل امواه المد وتراب اليابسة، وما يرافق ذلك من تدن تدريجي في منسوب المحيط الاصلي، قد شكل لساناً واسعاً من المستنقعات عند الطرف الاقصى من بحر الادرياتيك، وتغمره مياه المدّ فلا يبين، ثم يبرز جزئياً خلال الجزر.

نشطت البراعة البشرية في الاقسام المرتفعة من الارض، فخرجت البندقية الى الوجود باديء الامر كعنقود مؤلف من مئات الجزر المحاطة بمئات اخرى من الجزر. واحتفر الناس، بتكلفة عظيمة، ولكن بهمة اعظم، قنوات عميقة لتمكين السفن الحربية من بلوغ النقاط الهامة حتى في ذروة الجزر.

وان كل ما ابدعته الفطنة والعمل الشاق في الازمنة الخوالي، تحافظ عليه الفطنة والعمل الشاق في الوقت الحاضر. هناك فجوتان اثنتان في الليدو يمكن للبحر ان ينفذ خلالهما الى البحيرات الاولى قرب القلعة، كاستيللو، والثانية قرب كيوجيا. وتنساب مياه المدّ، في العادة، مرة كل يوم، لتدخل وتخرج، وان التيار يجري دوما في المجرى ذاته. وان امواه المد العالية تغمربقع المستنقعات، لكنها تترك الكثيب ظاهراَ، أو جافاَ.

غير ان الحال سينقلب تماما، لو ان البحر هجم على اليابسة واحدث اختراقات جديدة فيها، بحيث ينفذ المدّ ويتراجع على هواه.

ولن يؤدي هذا الاختراق الى غمر المدن الصغيرة مثل الليدو وبيليسترينا وسان بيترو، وغيرها فحسب، بل انه سيسد منظومات المواصلات المائية، أي القنوات بالغرين. ولسوف يؤدي ذلك الى تحويل الليدو الى جزائر، والجزائر التي تقع خلفها الى ألسنة من اليابسة. ولدرء هذا المآل، توجب على اهالي البندقية ان يبذلوا كل جهد لحماية الليدو، حتى تعجز غوائل الطبيعة الجامحة عن تدمير أو تعديل ما سبق للانسان ان غزاه وقهره، واضفى عليه الشكل والاتجاه الموائمين لاغراضه الخاصة.

ومن محاسن الحظ المتميز ان البحر لا يستطيع، حتى في اقوى اضطراب لمياه المد العاتية، ان يلج إلا من نقطتين، وان المداخل موصدة دونه في كل الامكنة الاخرى. وهذا ما يخمد سورة غضبه، وما هي إلا سويعات حتى يرضخ البحر، فيتراجع ويجزر.

الواقع، ليس لدى أهل البندقية ما يخشون منه إلا قليلا: فبطء تراجع البحر يضمن لهم سلامتهم لآلاف الاعوام، وأما التحسين الذكي لمنظومة القنوات، النظيفة من الطمى، فانه يكفل لهم بأن يحافظوا على ممتلكاتهم من الضرر.

ما اروع الحال لو انهم حرصوا على نظافة المدينة قليلاً! لعل رمي الازبال في القنوات ممنوع، تحت طائلة اشد العقوبات، لكن ذلك لا يمنع الناس من رمي كومة هائلة من الازبال والنفايات في القنوات بعد ان تتراكم في زوايا الشوارع، أو، وهذا هو الاسوأ، القاء هذه النفايات في المجاري التي فتحت اصلاً لتصريف مياه الامطار، مما يسد مجاريها، ويهدد باغراق الساحات دوماً. بل اني رايت هذه المجاري في ساحة سان ماركو الصغيرة، الموزعة توزيعا حصيفاً شأن المجاري الكبيرة، مسدودة، تفيض من جراء رمي الاقذار فيها.

وتكتسي الدروب، في الايام الماطرة، بالوحل تحت الاقدام؛ وان المعاطف والعباءات tabarros التي يرتدويها الناس طوال ايام السنة، تتلوث بالوحل كلما عبر المرء جسراً، ولما كان الجميع يرتدي احذية وجوارب ـ لا أحد يفكر في احتذاء جزم ـ فانها تتلطخ بالوحل. الواقع انه ليس وحلا عادياً، بل نوع عفن الرائحة، يشبه الروث. وترى الكل ينزل اللعنات والكلمات المقذعة، ولكن ما ان يصحو الجو، حتى يتوارى الطين عن الانظار. ويقال عن حق ان الجمهور العمومي دائم التذمر والشكوى، وانه لا يحظى بخدمات حسنة، لكنه لا يتحرك قيد انملة كيما تتحسن الخدمات المقدمة اليه. ان بالامكان وضع كل هذه الامور في نصابها لو ان سلطات المدينة ابدت اكتراثاً.

في مساء هذا اليوم عدت للصعود الى اعلى كامبانيلا. لقد رأيت البحيرات، آخر مرة، في ذروة امجاد المد؛ أما الآن فاني اتوق الى رؤيتها في ادنى مهانة الجزر، حتى تكتمل الصورة الذهنية. غريب تماما ان أرى اليابسة تحيط بي كل صوب، حيث لم تكن هناك قبلئذ، سوى مرآة الماء. لم تعد الجزر جزراً، بل بقع من كثيبات تنبعث من مستنقع سبخ، ذي لون رمادي ضارب الى الخضرة، يتقاطع مع القنوات. وتكتسي المستنقعات بنباتات بحرية، وهي لابد صاعدة بالتدريج، رغم دفق امواه المدّ التي لا تترك هذه النباتات في حالها.

لنعد الى البحر. امعنت اليوم في مراقبة السلوك الطريف للرخويات والطحالب والسرطان؛ ما اعجب الكائنات العضوية! وما اقدرها على التكيف! كيف لها ان تكون هنا، وكيف لها ان تكون ذاتها! ما انفع معرفتي بالتاريخ الطبيعي لي، على قلتها وبساطتها، وما اشد توقي لزيادة هذه المعرفة! ولكن توفر كل هذا الزاد من المعرفة للتشارك، يوجب عليّ ألا استثير اصدقائي بتعابير الاعجاب وحدها.

ان سدود البحر التي ذكرتها آنفا تشاد على الشكل الآتي: يبدأ الدرج بعدة درجات حادة، يعلوها سطح قليل الميلان، ثم تعلوه درجة اخرى، فسطح مائل، بعدها ينتصب جدار عمودي يتكلل في اعلاه بأفريز مائل. ويتسلق البحر المتصاعد الدرجات والسطوح المائلة، ولا يتكسر موجه أو يعبر الجدار العمودي وافريزه إلا اذا هاج هيجاناً مضطرماً.

وتأتي مع ارتفاع المد ضروب الرخويات والطحالب احادية الساق، وغيرها من المخلوقات الصغيرة القادرة على الحركة، وبخاصة سراطين البحر. وقبل ان تتمكن هذه من ان تجد لها متشبثاً بحائط البحر ينحسر المد. ولا تعرف هذه المخلوقات الزاحفة جلية ما يحصل باديء الأمر، ويبدو انها تتوقع عودة الغمر الفائض. لكنه لا يعود. وسرعان ما يجف الحجر تحت اشعة الشمس الساطعة، فتبدأ، عندئذ، بالتراجع السريع. وهذا يمنح سراطين البحر فرصة لقنص الطرائد. ليس هناك امتع للنظر من مراقبة حركات هذه الكائنات. فكل ما يراه المرء هو جسم مستدير، وذراعين طويلتين تنتهيان بكماشتين؛ أما ارجلها الخيطية فلا ترى. وهي تتبختر متمايلة كما لو انها تمشي على عكازات، وما ان يبدأ احد الرخويات بالتحرك، حتى تندفع السراطين بقوة الى أمام، وتولج كماشات مخالبها بين قشرة هذه الرخويات والارض لكي تقلبها على قفاها، وتفترس الحلزون الاعزل. ولكن ما ان تدرك الرخويات وجود عدوها، حتى تلصق نفسها بالحجارة عن طريق المص. وهنا يقوم سرطان البحر بحركات غريبة، ورشيقة. فهو يدور حول قشرة الحلزون كالقرد، لكنه يفتقر الى القوة اللازمة للتغلب على العضلات الجبارة لمثل هذا المخلوق الصغير. ويتخلى عن مسعى الحفر، ويسرع بحثاً عن مخلوق آخر، تائه، في حين يتابع الحلزون الاول طريقه ببطء. ولم أر سرطانا واحداً يفلح في مسعاه، رغم بقائي ساعات في موقع المراقبة.