العاشر من تشرين الاول (اكتوبر)




اخيرا حظيت برؤية كوميديا حقيية! عرض مسرح تياترو سان لوقا اليوم مسرحية "لاباروف كيوزوته"، وهي واحدة من المسرحيات القلائل التي دبجها دولدوني وما تزال تعرض. يمكن ترجمة عنوان المسرحية بصيغة تقريبية الى: "شجار وعراك في كيوجيا". ان شخوص المسرحية جميعاً هم ابناء بلدة كيوجيا، من صيادي سمك وزوجاتهم واخواتهم وبناتهم. وان النص ليحاكي محاكاة بارعة عادات هؤلاء الناس، وشجاراتهم، وسورات غضبهم، وطيبة سريرتهم، وسطحيتهم، وفطنتهم، وفكاهتهم، وتلقائية تصرفاتهم. لقد كنت في كيوجيا بالأمس لا غير، لذا فان وجوه هؤلاء ماتزال مطبوعة في عين باصرتي، وما تزال اصواتهم ترن في اذني. تمتعت بالمسرحية تمتعاً كبيراً، واستطعت ان اتابع الحوار على نحو جيد، رغم اني لم افه كل التلميحات المحلية المبطنة. وان حبكة المسرحية تجري على النحو التالي: نساء كيوجيا يجلسن، كالعادة، عند عتبات بيوتهن على طول جبهة الماء، وهن منهمكات في الغزل، أو الحياكة، أو الخياطة أو تطريز المخرمات. يمر شاب ويلقي التحية على واحدة منهن بحرارة اكبر من بقية الاخريات. يطلق ذلك العنان لمشادة حامية الوطيس وتبدأ الألسن بالاحتدام، وتزداد سلاطة وهزءاً، وتتواتر الشتائم المقذعة، في حدة متزايدة، وتكال الاتهامات من هنا ومن هناك، حتى تكشف امرأة سليطة عن المستور. عند هذا الحد، تستعر نيران الجحيم، وتضطر السلطات الى التدخل.

أما الفصل الثاني من المسرحية فيدور في قاعة المحكمة. ولما كانت السلطات لا تأذن بتمثيل النبلاء على المسرح، فان امين الخزانة يتولى دور العمدة (بالايطالية)، ويأم النساء بالمثول امامه، الواحدة بعد الاخرى على انفراد. فيثير عمله هذا الشكوك، لأنه واقع في غرام البطلة، وهو سعيد كل السعادة لاغتنام فرصة الاختلاء بها والحديث اليها بعيدا عن الانظار. ونراه يبثها لواعج حبه بدل ان يستجوبها.

وهنا تندفع امرأة اخرى، واقعة في غرامه ومحترقة بجنون الغيرة، مقتحمة غرفة الخلوة مصحوبة بعاشق المرأة الاولى المحتدم غضبا، ثم بقية النساء. تبدأ دورة جديدة من تقاذف الاتهامات، ويندلع شجار عنيف آخر في قاعة المحكمة، مثلما حصل في المشهد الاول على ضفة الماء.

وتبلغ ضروب اللهو ذروتها في الفصل الثالث، وتنتهي المسرحية بحل عجول، فرض على النص فرضاً.

هناك شخصية واحدة اعتبرها ابتكاراً دراميا موفقاً. فمن بين سائر هؤلاء الناس الفضائحيين المهذارين، ثمة صياد سمك عجوز يعاني من معوقات جسمانية نتيجة شظف العيش منذ الطفولة. وان الكلام، على وجه الخصوص، يقتضي منه جهداً جهيداً. اذ يتعين عليه ان يحرك شفتيه ويوميء بيديه ايماءات عنيفة قبل ان يتدبر آخر الامر التفوه بما يريد قوله، ولما كان لا يستطيع التعبير عن نفسه إلا بجمل قصار، فقد طور لنفسه اسلوبا مقتضباُ، جاداً، في الكلام، مما يسبغ على اقواله طابع أمثال أو حِكَمْ. ويقدم ذلك ثقلاً معاكساً، رائعاً، للتصرفات المنفلتة، الجامحة، عند الشخصيات الاخرى.

ولم اشهد في حياتي قط مثل هذا الفرح الطاغي الذي ابداه افراد الجمهور وهم يرون انفسهم وعوائلهم مصورة هذا التصوير الواقعي الأخاذ على السمرح. فكانوا يطلقون ضحكاتهم وهتافات استحسانهم من البداية الى النهاية. وقام الممثلون بعملهم على اروع وجه. فلقد مثلوا معاً كل صنوف الشخصيات التي يجدها المرء وسط عامة الناس. وكانت السيدة الاولى في المسرحية فاتنة حقا ـ وقد ابلت بلاءا حسن في دورها السابق كبطلة في مسرحية تراجيدية. وعلى العموم استطاعت الممثلات، وبخاصة البطلة، تقليد اصوات واشارات وامزجة الناس ببراعة تلقائية، غير ان اكبر الثناء ينبغي ان يزجى الى المؤلف لابتداع هذا النص المبهح، الممتع، من اللاشيء. ولا يمكن لأي مؤلف مهما كان ان يحقق ذلك ما لم يكن على صلة حميمة بهؤلاء الناس المحبين للهو والمتعة. لقد كتبت النص يد خبير ماهر.

لم اشاهد من فرقة ساتشي، التي كتب لها جوزي نصوصه، والتي تفرقت الآن سوى الممثلة سميرالدنيا، وهي قصيرة، مكتنزة، ولكن مليئة بالحيوية، والممثل بريجيليو، وهو رجل متين البنيان، يمتاز بقدرة تعبيرية عالية في وجهه وحركاته.

ان الاقنعة، التي لا تملك في بلدنا من معنى وحياة اكثر من المومياءات، تبدو هنا بمثابة تعبير متجانس ومتميز عن البلاد: فكل عمر من الاعمار، وكل نمط من الشخصيات أو المهن، يتجسد هنا في زي خاص معين، ولما كان الناس يمضون في حياتهم مرتدين بزات انيقة طوال الشطر الاعظم من العام، فلا يوجد ما هو طبيعي اكثر من مشاهدة الوجوه متنكرة في الاقنعة على المسرح ايضا.