فيرارا، 16 تشرين الاول (اكتوبر)، المساء
وصلت هنا في السابعة صباحاً بالتوقيت الالماني، واتوقع ان اغادرها غداً. اشعر لأول مرة في رحلتي بثبوط الهمة، ولا مبالاة مطبقة ازاء هذه المدينة، قليلة السكان، وسط هذا السهل المنبسط. لقد كانت شوارع هذه المدينة عينها، ذات يوم تطفح بالحياة بفضل بلاط رائع. ها هنا عاش اريوستو خائباً، وعاش تاسو تعيساً، أما نحن فنقنع انفسنا بأننا متنورين بمجرد ان نزور مقام ضريحيهما. يحوي ضريح اريوستو قدراً كبيراً من الرخام الموزع اسوأ توزيع. وعوضاً عن السجن الذي رزح فيه تاسو، ثمة قفص خشبي، أو خزانة فحم ما كانت لتحويه قطعاً. في البدء، لا احد من الموجودين في البيت يعرف ما يريد المرء ان يراه. وبعد فترة يتذكرون التفاصيل ولكن ليس قبل ان يصل البقشيش الى اياديهم. وتذكرت لطخة البحر الشهيرة للدكتور لوثر، التي يتبارك بلمسها سادن القلعة بين الحين والآخر. لابد ان ثمة في كل مسافر شيء من رحالة جوال يدفعه للبحث عن مثل هذه العلامات. استبد بي الغم شيئاً فشيئاً، ولم يخفف غائلته عني سوى الانجذاب الى معهد اكاديمي جميل أسسه كاردينال محلي، واوقفه للبّر. غير ان بعض صروح وانصاب العالم القديم اعادتني الى الحياة.
وازدادت بهجتي بفضل لوحة تصور يوحنا المعمدان وهو يواجه هيرود وهيرودياس. كان الرسول المعمداني في ردائه الصحراوي المعتاد، وهو يوميء الى السيدة ايماءة، متقدة، متحمسة. أما السيدة فتنظر نظرة جامدة الى الملك الجالس جوارها، وأما الملك فينظر نظرة هادئة، ولكن ماكرة، الى المفعم حماسة. ويربض كلب ابيض، متوسط الحجم، عند قدمي الملك، في حين ان كلباً بولونيزيا صغيراًً، يبصبص من تحت تنورة هيرودياس. وينبح هذان الكلبان على الرسول. يا لها من فكرة بديعة!