تشينتو، 17 تشرين الاول (اكتوبر)، المساء




اكتب اليكم من موطن جويرتشينو بعد ان اعتدل مزاجي وطاب عما كان عليه بالأمس. ان تشينتو بلدة صغيرة، نظيفة، ودودة، تقطنها نحو خمسة آلاف نسمة. وكالمعتاد، كان اول ما اقوم به هو ان اصعد البرج. رأيت بحراً من اشجار الحور تنبت في جنباته مباني ومزارع صغيرة، وكل مبنى محاط بحقله الخاص. وكانت تلك أمسية خريفية لا نحظى بها حتى في صيفنا إلا ما ندر. بدأت السماء، المدلهمة طوال النهار، تصفو بعد ان مضت كتل الغيم شمالاً وجنوبا في اتجاه الجبال. اتوقع نهاراً رائقاً في الغداة.

قنصت لحمة من ابيناينس، التي اقترب منها الآن. يقتصر الشتاء هنا على شهري كانون الاول (ديسمبر) وكانون الثاني (يناير)؛ أما نيسان (ابريل) فهو شهر الامطار، في حين ان بقية الاشهر تتميز بمناخ موسمي لطيف. ولا يطول سقوط المطر هنا قط. أما شهر ايلول (سبتبمر) فكان افضل وأحمى من شهر آب (اغسطس). فرحت لمرأى ابينانيس في الجنوب، بعد ان شبعت من مرأى الريف المنبسط. ساكتب في الغد من عند سفوحها.

كان جويرتشينو يحب بلدته شأن سائر الايطاليينن فهم يرتقون بالوطنية المحلية الى مصاف العبادة. وان هذا الشعور البديع يقف وراء العديد من المؤسسات الرائعة، علاوة على العدد الغفير من القديسين المحليين. ولقد انشئت هنا، بتوجيه من المعلم، اكاديمية للرسم، ثم ترك البلدة بعد ان فرغ من عدة لوحات يقدرها المواطنون حتى يومنا هذا، تقديراً كبيراً، وهو تقدير في محله.

شغفت بلوحة معينة من لوحاته تصور المسيح يتجلى لأمه بعد انبعاثه. انها تجثو عند قدميه، متطلعة الى وجهه بحنان لا يوصف. وهي تلمس بيدها اليسرى خاصرته، ادنى الجرح، وهو جرح فظيع يفسد اللوحة كلها. أما المسيح فيطوق عنقها باحدى ذراعيه، وينحني اليها لكي يراها عن كثب. لن اقول ان اللوحة غير طبيعية، لكنها غريبة بعض الشيء. ورغم ذلك، فان بطل اللوحة يبقى مثيرا للعطف الكبير. انه ينظر اليها نظرة هادئة، حزينة، كما لو ان ذكرى عذاباته وعذاباتها لا شفاء لها بقيامه، بل هي ذكرى ماثلة في روحه الطاهرة. لقد قام سترينج باستنساخ هذه اللوحة بالحفر على الخشب، ولسوف يسعدني ان يتمكن اصدقائي من رؤية هذا النموذج في الاقل. واجتذبتني صورة متقنة بديعة للعذراء. ان طفلها الرضيع يحاول بلـوغ الثدي، الـذي تتـردد فـي ان تكشـفه لـه، بتواضع. وفي لوحة اخرى نرى الطفل قبالتنا، في مقدمة اللوحة، أما العذراء فتنحني وراءه، لترفع يده كيما يباركنا بأنامله المرفوعة. يا لها من فكرة مسرة، تتفق وروح الاسطورة الكاثوليكية.

ان جويرتشينو فنان وطيد وذكوري، بعيد عن الفظاظة. وتتسم اعماله بجمال اخلاقي وسحر روحي، وسيماء شخصية تفرده في الحال عن غيره من الرسامين، بمجرد ان تقع العين المدربة على التفاصيل في لوحاته. ان عمل ريشته لمذهل. ويستخدم في رسم ثياب شخوصه ظلالاً متميزة حلوة، بلون بني ضارب الى الحمرة، ويتناغم هذا اللون تناغماً بديعا مع الازرق، لونه المفضل في اللوحات. أما مواضيع لوحاته الاخرى فتخلو من السعادة. لقد عذب هذا الفنان المرهف نفسه كيما يرسم مواضيع غير ثرة، بددت خياله وموهبته. وانني لمسرور برؤية اعمال هذه المدرسة الهامة في فن الرسم، رغم ان هذه الاطلالة السريعة لا تحقق الامتاع التام المنشود.