توربول، الثاني عشر من ايلول (سبتمبر)، العصر




لكم اتمنى ان يكون اصدقائي معي، للحظة واحدة، كيما ينعموا بمتعة النظر الى المشهد الشاخص أمامي.

كان بمقدوري ان ابلغ فيرونا الليلة، لكني لم ارغب في تفويت فرصة مشاهدة بحيرة جاردا، والمشاهد الطبيعية الخلابة التي تحف شواطئها، ولقد جازتني الطبيعة خير مجازاة على هذا الخروج عن الطريق. بعد الخامسة مساء انطلقت من روفيرتو لنرتقي جنبات واد جانبي يضخ مياهه الى نهر آديج. يعلو هامة الوادي جرف صخري عملاق، ينبغي للمرء ان يعبره قبل ان ينحدر نزولا الى البحيرة. رأيت بعض شظايا جيرية تصلح لأن تكون مواضيع مناسبة لدراسات في الرسم الزيتي. يبلغ المرء في آخر المسار النازل، قرية صغيرة ذات ميناء صغير، أو بالاحرى دكة رسو عند الطرف الشمالي من البحيرة. تدعى القرية توربول. ولقد شاهدت اثناء ارتقاء الجرف الصخري اشجار تين تحف الطريق، أما حين نزلنا المنحدر المنبسط الذي تحفه الصخور فقد وقعت عيناي على أولى اشجار الزيتون في حياتي، وهي مثقلة بحبات الزيتون. كما رأيت ضربا من التين البري الابيض الصغير، الذي وعدتني به الكونتيسة لانثيري، والذي ينمو هنا على هواه.

ثمة باب في الغرفة التي اجلس فيها ينفتح على باحة في الاسفل. رصفت مائدتي في مقدمة الباحة ورسمت تخطيطاً سريعاً للمنظر. وباستثناء الزاوية الواقعة عن يساري، يمكن لي ان أرى كامل امتداد البحيرة. يزدان الشاطئان بلألاء ما لا يعد من القرى الصغيرة، وتحفهما التلال والجبال.

بعد منتصف الليل، تبدأ الريح بالهبوب من الشمال الى الجنوب. وان على من يرغب في التوجه الى البحيرة ان يفعل ذلك في هذه الساعة بالذات، لأن السويعات التي تسبق بزوغ الشمس تدفع تيار الهواء الى الانقلاب في الاتجاه المعاكس. أما الآن بعد ان بلغنا سويعات العصر، فان الريح تهب قوية في وجهي، حاملة لي الابتراد والانتعاش. ويفيدني فولكمان ان هذه البحيرة كانت تدعى بيناكوس، في سالف الايام، ويورد بيتاً من اشعار فيرجيل يأتي فيه على ذكرها. (باللاتينية في الاصل)

وهذا أول بيت شعر لاتيني أرى موضوعه بأم عيني. واليوم اذ تزداد الريح هبوبا، ويتلاطم موج البحيرة عاليا ليتكسر على دكة الرسو، أجد ان هذا البيت من القريض يصدق على الحال مثلما كان صادقا قبل قرون وقرون. لقد تغيرت كثرة من الاحوال، لكن الريح تظل تحوم في اجواء البحيرة، وان بيت فيرجيل خلد نبلها حتى يومنا هذا.