17 أيلول (سبتمبر)




سوف اعلق باقتضاب على سائر الصور التي رأيت. ان الغرض من قيامي بهذه الرحلة البديعة ليس لكي اضلل نفسي بل لكي اكتشفها في الاشياء التي أرى. ويجب ان اعترف بصدق انني لا افقه إلا القليل من فن أو صنعة الرسام وينبغي ان اقصر ملاحظاتي على مواضيع اللوحات، والمعالجة التصويرية العامة للموضوع.

ان كنيسة سان جيورجيو اشبه بمعرض للفن. ان جميع الصور هي قطع لتزيين المذبح وهي تتباين في براعتها إلا انها جديرة بالمشاهدة جميعاً. ولكن أية مواضيع كان على هؤلاء الفنانين تصويرها! ولأي طرف! مطر من المنّ بارتفاع ثلاثين قدماً وبعرض عشرين قدماً، مع صورة مرافقة، هي معجزة الارغفة الخمسة! ما الذي يستحق الرسم في هذا؟ ثمة جياع ينقضوّن على كسر وفتات من الخبز، وثمة خبز يقدم الى ما لا عدّ لـه من الاشخاص الآخرين. لقد استجمع الرسامون عصارة ادمغتهم لكي يضفوا على هذه الابتذالات مغزى راقياً. مع ذلك فان العبقرية التي حفزها الطلب على هذه الاعمال، ابدعت الكثير من اللوحات الآسرة. لقد واجه احد الرسامين معضلة تصوير القديسة اوسولا بصحبة عذراواتها البالغات أحد عشر ألفاَ، فوجد لذلك حلاً ذكياً. تظهر القديسة واقفة في مقدمة اللوحة ناظرة كما لو انها قد غزت البلاد. وتمتاز القديسة بمظهر عذراء الامازون، فهي نبيلة الملامح، ولكنها تفتقر الى الجمال الجاذب. أما جنودها، العذراوات فيظهرن في اللوحة وهن ينزلن الى الشاطيء من السفن، ويسرن في موكب منتظم، تتلاشى معالمه في منظور اللوحة. أما لوحة تيتيا الموسومة "صعود العذراء في الكاتدرائية" فقد اصبحت قاتمة جداً. وان المرء ليشعر بالامتنان لأن الفنان رسم العذراء المقبلة على دخول الملكوت تشخص ببصرها الى اصدقائها على الارض، بدل ان ترفع بصرها الى السماء.

ووجدت في متحف جيرارديني اعمالاً جميلة بريشة اوربيتو. كانت تلك اول مرة اسمع فيها بأسمه. حين يعيش المرء في بلاد نائية، فانه لا يسمع إلا باسماء كبار الفنانين في المجّرة، وغالباً ما يقنع بمجرد معرفة الاسماء؛ أما حين يقترب المرء من عالم الفن، فان لألاء نجوم الصف الثاني والثالث من حيث الحجم والمكانة، يتبدى للناظر، حتى تصل العين اخيرا الى رؤية التشكيلة كلها ـ فالعالم اكبر والفن اغنى وارحب مما يظن المرء في افتراضه الاول. ثمة لوحة لابدّ لي من اغداق الثناء الخاص عليها. تصور اللوحة كائنين بشريين تصويرا نصفياً. لقد هجع شمشون لتوه ليغرق في النوم في حضن دليلة، التي تمد يدها من فوق جسده لتتناول مقصاً موضوعا على طاولة قرب فانوس. ان التنفيذ بالغ الرهافة. ولقد ذهلت بلوحة داناي في قصر بالازو كانوسا.

ويحوي قصر بالازو بفيلاكوا الكثير من الكنوز. هناك لوحة تدعى "الفردوس" بريشة تينتوريتو ـ الواقع انها تصور تتويج مريم العذراء في حضرة سائر الانبياء والرسل والقديسين والملائكة، والبطاركة، وما شاكل ـ لقد اعطت اللوحة لعبقرية تينتوريتو المغتبطة، الفرصة السانحة لتجلي ثرائها. وان تقدير عمق رؤية هذا الفنان، وبراعة ريشته، وتنوع وسائله في التعبير، انما يتطلب ان يملك المرء هذه اللوحة، وان يضعها نصب عينيه على امتداد كامل عمره. ان تكنيك اللوحة خال من أية مثلبة. فحتى وجوه أنأى الملائكة، التي تتلاشى في غيوم المجد، ذات ملامح فردية خاصة. وان اكبر الشخوص لا يزيد ارتفاعه عن قدم؛ أما صورة مريم العذراء، والمسيح الذي يضع تاج الملكوت على رأسها، فلا يزيد حجمها عن اربع بوصات. ولعل ابدع المخلوقات في هذه اللوحة، من دون ريب، هي حواء ـ التي

ماتزال، كما كانت في القديم، مثيرة حسياً.

ثمة بورتريهات قليلة بريشة بول الفيروني زادت احترامي لهذا الفنان. ان مجموعة التحفيات بديعة، وبخاصة ابن نيوبي المسجى في رقدة الموت. ان اغلب البورتريهات نصفية، وتشمل صورة لأوغسطوس اللابس تاجاً مدنياَ، واخرى لكاليجولا، وهما عملان مثيران للانتباه والاعجاب رغم ترميم الانفين فيهما. انني اميل بطبعي الى تقدير الحسن والجمال، وعليه فان القدرة على ان اغرف منه يوما بعد يوم وساعة بعد ساعة بحضرة مثل هذه الاشياء السامية تشيع فيّ شعوراً غامراً بالسعادة.

ان البلاد التي يتمتع فيها الجميع بطلوع النهار ويستمد بهجة اكبر من السماء، تضفي على الغروب اهمية خاصة. فالاعمال كلها تتوقف، والسائرون في الدروب يؤوبون الى بيوتهم، ويحرص الآباء على رؤية بناتهم في البيت ـ فالنهار قد انقضى. أما نحن السيميريون، أي شعب الظلام، فقلما نعرف المعنى الحق للنهار. فسماواتنا ملفعة بضباب دائم وملبدة بغيوم ابدية، فلا نعود وبعدئذ نكترث ان كان ثمة نهار أو ليل، ما دمنا لا نتوفر إلا على النزر اليسير من الوقت للتنزه مشياً، والتمتع بالخروج في الهواء الطلق. أما هنا، حين يجن الليل، فان اليوم المؤلف من صباح ومساء، ينتهي فعلاً، ينصرم في اربعة وعشرين ساعة، ليبدأ الزمن بعدها من جديد. وتقرع الاجراس، وتكرّ المسبحة بالدعاء، وتدخل الوصيفة الى الغرفة حاملة نواسة مضاءة لتقول: "عمتم مساء!" (بالايطالية) ان أمد هذه الفترة يتباين بتباين الفصول، والناس الذين يعيشون هنا يضجون بقدر كبير من الحيوية بحيث ان التباين لا يربكهم، نظراً لأن ملذات وجودهم تتصل، لا بالساعة المحددة، بل بالفترة المحددة من اليوم. ولو فرضنا عليهم مواقيت الساعة الالمانية بالدقة، لاضطربت امورهم، لأن منهجهم في قياس الوقت يرتبط وثيق الارتباط بطباعهم. فقبل ساعة أو ساعة ونصف من مغيب الشمس، ينطلق النبلاء في عرباتهم، فيمضون اول الامر الى منطقة برا، ثم يقطعون الشارع العريض وصولاً الى بورتا نوفا، ويعبرون البوابة ليلتفوا حول سور المدينة. وما ان يأزف اوان الليل حتى يعود الجميع؛ ويتوجه البعض منهم الى الكنائس لتلاوة الابتهالات؛ كما يتوقف آخرون في برا حيث يقترب الفرسان من العربات ليتجاذبوا اطراف الحديث مع السيدات. ويستمر ذلك لفترة غير قصيرة. ولقد أمطرت السماء مطراً كافيا لأخماد الغبار. فكان المنظر حيويا، ساراً.

وابتغاء التكيف مع أهم عادات أهل هذه البلاد، ابتكرت لنفسي طريقة تسهّل عليّ تعلم نظامهم في حساب الساعات. وان المخطط المرفق يقدم لكم فكرة عن هذا النظام. ان الدائرة الداخلية تسجل ساعات اليوم الاربع والعشرين، من منتصف الليل حتى منتصف الليل، مقسمة الى فترتين تتألف الواحدة من اثنتي عشرة ساعة، مثلما نحسبها نحن ومثلما تسجلها ساعاتنا. أما الدائرة الوسطى فتبين كيف تدق الاجراس هنا في هذا الوقت من العام، وهم يدقون اثنتي عشر دقة مرتين خلال اربع وعشرين ساعة، ولكن حين تدق ساعاتنا الثامنة، فانهم يدقون الواحدة، وهكذا حتى اكتمال دورة الاثنتي عشرة ساعة. أما الدائرة الخارجية فتبين كيف يحسبون الاربع وعشرين ساعة. فحين تدق الساعة السابعة، في الليل، وكنت اعرف ان منتصف الليل يحل في الخامسة، مثلا، فانني اطرح خمسة من سبعة لأصل الى النتيجة وهي ان الساعة هي الثانية فجراً.

أما اذا سمعت دقات السابعة في النهار وكنت اعرف ان الظهر يحل في الخامسة، فانني اقوم بعملية الطرح نفسها، والجواب ان الساعة هي الثانية بعد الظهر. أما اذا عنّ لي ان اشير الى هذه الساعات وفقاً للاستخدام المحلي، فان عليّ ان اتذكر ان الظهر يدعى الساعة السابعة عشر؛ وعندئذ يتوجب ان اضيف هذا المقدار (سبعة عشر) الى اثنين، فتكون الساعة هي التاسعة عشر. حين يتعلم المرء هذه الطريقة اول مرة ويبدأ بالحساب وفقا لها، فانها تبدو لـه أصعب واعقد من ان تصلح للممارسة. ولكن ما ان يعتاد المرء على ذلك، ويستمد ضروب التسلية من الحسابات على غرار ما يفعل السكان المحليون، الذين يجدون ضروب المسرة في هذا الحساب واعادة الحساب بلا انقطاع، مثل الاطفال الذين يتمتعون بالصعوبات الحسابية سهلة الحل. ولما كانت اصابعهم تتحرك دوما، فانهم يقومون بالعد في مخيلتهم، ويذهلون للارقام.

زد على هذا، ان عملية العد بأكملها أسهل عليهم بما لا يقاس، لأنهم لا يبدون ادنى اهتمام بمنتصف النهار او منتصف الليل، ولا يقارنون، كما نفعل، عقارب الساعة. فهم يكتفون، ببساطة، بعدّ ساعات الليل حين تدق، أما خلال النهار، فانهم يضيفون هذا الرقم الى الرقم المتغير، الذي يمثل الظهيرة، والذي يعرفونه تماما. أما بقية التفاصيل فموضحة في الجدول المرافق للمخطط الوارد على الصفحات التالية.

تجد الناس هنا غارقين في المشاغل، ماضين اليها دوما، بل ان بعض الشوارع، حيث الدكاكين والمشاغل الحرفية المحتشدة مع بعضها، تبدو ضاجة بالمرح. ليس لهذه الدكاكين واجهات أمامية مغلقة، فهي مفتوحة على الشارع، ويمكن للمرء ان ينظر ويرى ما بداخلها، ويراقب العمل الجاري ـ الخياطون يخيطون، والحذاؤن يتمطون ويسمّرون بالمطرقة، وهم يعملون ونصف اجسادهم في الشارع. أما في الليل حين تبدأ الفوانيس بالاحتراق والانارة، فان المشهد اخاذ.

وتضج الساحات، ايام السوق باكداس عالية من الثوم والبصل، وكل ضروب الخضار والثمار. وتجد الناس ينادون ويصخبون ويقذفون الاشياء، ويتشاجرون، ويقهقهون، ويغنون، طوال النهار. ان لطف المناخ ورخص الطعام تجعل الحياة ميسورة للجميع. بل ان الغناء والموسيقى يصدحان بقوة

اكبر آناء الليل. ويمكن للمرء ان يسمع انشودة مارلبوروه في كل شارع، مصحوبة هنا وهناك بعزف آلة القانون أو الكمان. وتجدهم يصفرون ويحاكون كل ضروب اصوات الطير؛ بل تتناهى الى المرء اشد الاصوات غرابة. وفي وفرة ومرح حياة هؤلاء يجد المرء ان ظل الأمة هذا جدير بالاحترام.

وان قذارة بيوتهم وافتقارها الى الخلاء، وهو ما يصدمنا صدمة كبيرة، ينبعان من المنبع نفسه؛ فهم دوما في الهواء الطلق، خارج البيوت، وكل واحد فيهم خليّ البال، ولا يكترث بشيء. وان الطبقات الاجتماعية الدنيا تتقبل المقسوم بطيبة خاطر، بل ان الطبقات الوسطى تعيش هي الاخرى على اغتنام حظوظ السعادة كما تأتي، وأما الموسرون والنبلاء فيحشرون انفسهم في بيوتهم ويوصدون الابواب، رغم ان البيوت لا تتوفر على كل اسباب الراحة كما في بيوت الشمال. وتراهم يقيمون الحفلات في المباني العمومية. وان اروقة وباحات المباني قذرة، تفوح منها رائحة الغائط، إلا انهم يجدون هذا الوضع طبيعياً ومقبولاً. فالناس يشعرون دوما ان لهم الاولوية قبل كل شيء. فالاثرياء هم اثرياء يشيدون القصور، والنبلاء هم نبلاء يحكمون، ولكن ما ان يبتني احدهم رواقاً أو باحة، حتى يستخدمها الكل لقضاء حاجاتهم، وان أكبر حاجاتهم عجالة هو التخلص بأسرع ما يمكن من فضلات ما تناولوه باسرع ما يمكن. وان أي انسان يعترض على ذلك ينبغي الا يقوم بدور الجنتلمان، وهذا يعني ان عليه ألا يتصرف وكأن جزءا من مسكنه ملكية عامة؛ لكنه يوصد بابه، وهذا مقبول. أما في المباني العامة فان الناس لا يفكرون قط في التخلي عن حقوقهم هذه، وهذا ما يتشكى منه الاجانب المقيمون في شتى انحاء ايطاليا.

تجولت اليوم في ارجاء المدينة متمعناً في عادات اهلها وتقاليدهم، وآدابهم، وخصوصا ما يتصل بالطبقات الوسطى، الاكثر عددا وهمّة وحركة. تجدهم يؤرجحون اياديهم عند المشي. أما النبلاء، الاعلى مكانة، والذين يتمنطقون بالسيوف احيانا، فلا يؤرجحون سوى ذراع واحد، لأنهم جروا على عادة ابقاء اليد اليسرى عند الخصر.

ورغم ان الناس يمضون الى اشغالهم دون التفات الى ما يشتت الذهن، فان عيونهم تلتقط كل ما يبدو مخالفا للعادة. فحين وصلت المدينة، وجدت الكل ينظر الى جزمتي عالية الرقبة، التي لا يرتديها احد هنا حتى في الشتاء، لأنها غالية الثمن. ولما صرت، الآن، ارتدي حذاء عاديا وجوارب عادية، لم يعد أحد يكترث بالالتفات إليّ. ولكن في الصباح الباكر من هذا اليوم، حين كان الكل يسعى ويمضي عجولا هنا وهناك حاملاً الزهور أو الثمار، أو الثوم، أو غير ذلك من منتجات

السوق، وجدت انهم، ويا للدهشة، لا يرفعون ابصارهم عن بضعة اغصان من شجرة السرو كنت احملها. وتتدلى من الاغصان اكواز صنوبر مخروطية، خضراء؛ كما كنت احمل خصلة مزهرة من نبات الكبر. بقي الجميع، صغاراً وكباراً، يحملقون في اصابعي، وافكار غريبة تدور، كما يلوح من سيمائهم، في رؤوسهم.

كنت قد التقطت هذه الاغصان في جاردينو جيوستي، حيث تنتشر اشجار سرو عملاقة، تخفق في الفضاء مثل بوم ضخمة. ان اشجار الطقسوس الصنوبري، في حدائقنا الشمالية، مقلمة تقليماً معيناً، ولعلها محاكاة لهذا النتاج البديع للطبيعة. فهذه شجرة يتطلع كل فرع من فروعها، من ادنى فرع حتى اعلى فرع، مشرئباً الى السماء، وهي تعمر نحو ثلاثمائة سنة. انها لشجرة جديرة بالتوقير. واعتماداً على تاريخ تأسيس هذه الجنينة، يمكن القول ان اشجار سروها قد بلغت هذه الذروة من عمرها المديد.