19 أيلول (سبتمبر)
وصلت قبل بضعة ساعات، وتمكنت من مشاهدة مسرح تياترو اوليمبيكو، وغيره من المباني التي صممها بالاديو. هناك كتاب مزدان بتخطيطات من
الجرافيك يوفر للقارئ الاجنبي معلومات مفيدة، وقد دبجه انسان ذو معرفة مكينة بالفن. لابدّ لك من ان تشاهد هذه المباني بأم عينيك لكي تدرك رهافة فنها. وما من نسخة مكررة عن تصاميم بالاديو بقادرة على ان تعطي المرء فكرة كافية عن تناسق ابعادها البديع؛ فلابدّ من مشاهدة المباني في نسقها ومنظورها الفعلي.
لقد كان بالاديو انسانا عظيماً، عظيماً في تصوراته الذهنية وعظيماً في طاقة التنفيذ. وان مشكلته الكبرى هي المشكلة ذاتها التي تواجه سائر المعماريين المعاصرين، ونعني بذلك ايجاد التوازن الحصيف لاستخدام الاعمدة في المعمار المحلي، نظراً لأن مرّكب الاعمدة والجدران يبدو، على الدوام، متنافراً. ألا ما اكثر ما بذل من جهد في ذلك، وما ابدع الحضور الملموس لابداعاته، وقدرتها على ان تجعلنا ننسى اننا منومون مغناطيسيا! ثمة مسحة من القداسة في موهبته، وهي ميزة تقارن بقدرة شاعر عظيم يبتدع، من اصطراع عوالم الحقيقة بعوالم الوهم، عالماً ثالثاً يسحرنا بوجوده المستعار.
ان مبنى مسرح تياترو اوليمبيكو هو اعادة خلق للمسرح الكلاسيكي ولكن على نطاق اصغر، وبجمال أخاذ لا نظيرله. وحين نقارن هذا المسرح بمباني مسارحنا، نجده اشبه بطفل ارستقراطي ثري، واسع الثقافة، بازاء رجل دنيوي ذكي، يعرف، رغم انه ليس على هذه السعة من الثراء والتـميز والثقافة، ما يمكن لـه ان يحققه اعتمادا على نفسه.
حين يتفحص المرء المباني النبيلة التي ابتدعها معمار بالاديو في هذه المدينة، ويلاحظ مدى الاذى الذي اصاب واجهاتها بفعل عادات الرجال القذرة، أو يلاحظ مدى تنافر هذه الصروح الثمينة، التي ابتدعها عقل جبار متفوق، مع نسق حياة الانسان العادي، يدرك المرء نفسه ان هذا هو حال كل شيء سواها في هذه المدينة. فالانسان لا يحظى إلا بالنزر اليسير من الشكر والامتنان من الناس حين يحاول هذا الانسان ان يبذل جهده للارتقاء بقيمهم الاخلاقية، وان يمنحهم تصوراً أسمى عن انفسهم، وان يمحضهم احساساً بالنبل الحق. أما حين يغدق المرء الثناء الكاذب على "الطيور"، ويحكي لها قصصاً خرافية عن الجنيات، ويتستر يوميا على مواطن ضعفها، فانه يغدو الرجل المناسب لها. لهذا السبب تجد ان رداءة الذوق تكثر في زماننا هذا. لا اقول قولي هذا لكي احطّ من قدر اصدقائي، فكل ما اقوله هو ان الامور على هذا النحو، وان على المرء ألا يعجب ان كانت على هذا الحال.
ثمة مبنى قديم ينتصب جوار الباسيليكا (بناء روماني الطراز) يشبه قلعة من القلاع، وله كثرة من النوافذ ذات الاحجام المتباينة. يصعب وصف مدى اعوجاج هذه الكتلة المبنية بناء مغلوطاً. لا ريب ان خطة المعماري الاصلية استدعت هدم هذه القلعة هي وبرجها. ولكن لابدّ لي من لجم مشاعري، لأنني اصادف هنا، كما في كل مكان آخر سواه، ما ارغب فيه وما ارغب عنه، جنباً الى جنب.