الثاني من تشرين الاول (اكتوبر)




اسرعت، أول ما اسرعت، الى كاريتا. سبق لي ان اكتشفت في كتابات بالاديو اشارة الى دير كان يعتزم ان يعيد فيه بناء منزل خاص، نموذجي لرجل موسر، مضياف من الازمنة الكلاسيكية.

وقد اثارتني خطة بنائه، في تصميمها العام كما في تفاصيلها، وتوقعت ان أرى اعجازاً في الجمال. يا للأسى، فلم يكتمل سوى عشر البناء إلا بالكاد، ولكن حتى هذا النزر اليسير كان جديرا بعبقرية هذا الرجل القدسية. انني على يقين من انني مصيب بقولي انني لم أر شيئا يضاهي ذلك في الجلال، والكمال، في حياتي كلها. ينبغي للمرء ان يتأمل في مثل هذا العمل سنوات.

أما الكنيسة فأقدم عهداً. وحين يغادرها المرء، فانه يلج ردهة من الاعمدة الكورنثية التي تدفع المرء الى نسيان كل الهذر الكنسي. فمن هذه الجهة ثمة غرفة ملابس الكهنة، ومن تلك ثمة قاعة اجتماع الكهنة، الى جانب ابدع ما رأيت في العالم من سلالم ملتوية. ولهذا السلم عمود درابزون عريض ومفتوح، ودرجات حجرية ثبتت في الجدار، مرتبة ترتيباً تسند فيه كل درجة الدرجة الاخرى التي تعلوها. ويمكن قياس جمال بناء هذا السلم بواقع ان بالاديـو نفسه ابـدى استحسانه لـه. وتطـل الردهة على باحة داخـلية فسيحة. ولسوء الحظ لم يكتمل من البناء الذي كان يفترض ان يحيط الباحة سوى الجناح الايسر ـ ثلاثة صفوف من اعمدة عملاقة. وتزدان طبقته الارضية بالاروقة، أما الطابق الاول فهو كناية عن مبنى ذي قناطر ينفتح على حجرات؛ وأما الطابق العلوي فعبارة عن جدار بنوافذ.

اليكم الآن كلمة عن مادة البناء. ان رؤوس وقواعد الاعمدة والاحجار الرئيسية للاقواس هي الاجزاء الوحيدة المقتطعة من الرخام. أما الباقي فمعمول، لا من الآجر، بل من طين مفخور. لم أر مثل هذا البلاط من قبل. وقد صنعت اجناب الاقواس، وافاريزها من هذا البلاط. لقد فخرت مادة هذا البلاط جزئياً، أما اقسام البناء باكمله فقد ربطت ببعضها بطبقة خفيفة من الملاط. ويبدو ان البناء، بما هو عليه، قطعة واحدة متكاملة، فما اجمله لو اكمل بكل اقسامه ودهن بالالوان. غير ان مخطط البناء، كما هو حال الكثير من المباني اليوم، كان على مقياس ضخم اكثر من اللازم. وقد افترض الفنان ان الدير الحالي سوف يهدم وان بعض البيوت الملاصقة سوف تشترى لاجل التوسيع. ولعل السبب في توقف البناء نضوب المال وتبدد الاهتمام. ايتها الاقدار الرحيمة، يا من تحسنين وتخلدين الكثير من الغباوات، لِم لم تأذني باكتمال هذا العمل!