الثاني عشر من تشرين الاول (اكتوبر)




شاهدت بالأمس عرضاً مسرحياً جديداً في سان لوقا عنوانه "انجليزي في ايطاليا" (بالايطالية). ولما كان هناك عدد كبير من الانجليز يعيشون في ايطاليا، فمن الطبيعي ان يراقب الناس سلوكهم، وكنت آمل ان اطلع على رأي الايطاليين في ضيوفهم الاثرياء، السارّين. غير ان المسرحية لم تتمخض عن أي زَبَد. فثمة مشاهد معينة هازلة مما هو مألوف، وما عدا ذلك عرض غثّ ومتحذلق. زد على ذلك ان المسرحية خلت من أي طبع انجليزي، وحفلت باشارات اخلاقية مبتذلة، مألوفة في ايطاليا، عن امور عادية لا قيمة لها.

اخفقت المسرحية، وكادت تشيع بصيحت الاستهجان. ولم يشعر الممثلون انهم في بيئتهم ومحيطهم، على غرار ما شعروا في ساحة كيوجيا. كانت هذه آخر مسرحية اشاهدها هنا، وقد امدتني بشيء واحد في الاقل. انها شحذت حماستي لتمثلات الحياة الايطالية الحقيقية التي رأيتها في الليالي السالفة.

بعد ان راجعت مدونات يومياتي للمرة الاخيرة، واضفت بضعة اشارات من الملاحظات المسجلة، سأقوم الآن بترتيب الاوراق في نظام منسق، واطويها، وارسلها، كي تخضع لحكم اصدقائي.

ثمة الكثير في هذا السجل مما كان ينبغي ان اصفه بدقة أكبر، وان أجليه واصقله، لكني سأترك النص على حاله، لأن الانطباعات الاولى، حتى وان لم تكن صائبة على الدوام، قيمّة وغالية علينا. آه، لو كان لي ان ارسل الى اصدقائي البعيدين نفحة من الوجود الخليّ هنا! صحيح ان الايطاليين لا يملكون ادنى فكرة واضحة عن البلدان الواقعة خلف الجبال، ولكن ما يقع وراء جبال الالب يبدو لي ضباباً غامضاً ايضاً، رغم ان وجوها حميمة تطل عليّ من خلل هذا الضباب. ان المناخ وحده ليدفعني الى تفضيل هذه البقاع على كل ما عداها، لولا ان للمنبت والتقاليد قيوداً جبارة توثق رباطنا. ولا احبذ العيش عيشاً دائماً، سواء هنا أو في أي مكان آخر لا تتوفر لي فيه مهنة اعمل فيها. ذلك ان جدّة الاشياء هنا تشغلني انشغالاً مستديما. وان فن العمارة ينهض من رمسه مثل شبح من اشباح الماضي، ليحثني على دراسة مبادئه واصوله، لا لكي امارسها أو اتمتع بها كحقيقة حيّة، بل لكي ابجل، في صمت، الوجود السامي لحقب الماضي التي بادت الى الابد، شأنها شأن قواعد لغة ميتة.

لما كان بالاديو يحيل، باستمرار، الى فيتروفيوس، فقد اشتريت طبعة جالياني، إلا ان هذا المجلد يثقل، بوزنه الكبير، على متاعي، مقدار ما يثقل بمحتواه على رأسي، حين اعكف على دراسته. واني لأجد بالاديو، بطريقته المميزة في التفكير والابداع، مفسراً لفيتروفيوس اوضح واجلى من نص مترجمه الايطالي. ليست قراءة فيتروفيوس هينة اطلاقا: فالمجلد مكتوب باسلوب غامض ولابد من دراسته دراسة نقدية. واروح اتصفح صفحات الكتاب، أو، ان توخيت الدقة، اقرأها مثل موجز، بدافع الوفاء لا طلباً للمعرفة. ان الشمس تغرب باكراً، ويتوفر لي وقت اطول للقراءة والكتابة.

ان كل ما كان مهماً لي في يفاعتي، يعزّ على قلبي الآن ايضا، حمداً لله. ومما يبعث في البهجة انني اجد نفسي، مرة اخرى، متجرئاً على مقاربة الكلاسيكيات. ويمكن لي الآن، اخيرا، ان اعترف بعلّة خفية، أو مسّ الجنون الباطن عندي. فعلى مدى سنوات وسنوات لم اتجرأ قط على ان اعاين أي مؤلف لاتيني، أو أي مؤلف يستثير صورة ايطاليا. وان حصل هذا مصادفة، عانيت تباريح الألم. وكان هيردر غالبا ما يقول متهكماً انني تعلمت كل لاتينيتي من سبينوزا، لأن كتاب سبينوزا هو المجلد اللاتيني الوحيد الذي رآني اطالعه. ولم يدرك مدى حرصي على ان احصن نفسي من مداهمة الكلاسيكيات، وان شدة القلق المحض هي التي ساقتني الى ان الوذ بتجريدات سبينوزا. وقد وقعت، منذ فترة قريبة، على ترجمة لديوان الهجاء لهوراس قام بها فيلاند، لكن قراءتها اثارت شعوراً فيّ بالتعاسة؛ فبعد مطالعة صفحتين ليس إلان وجدتني اخرج عن طوري مغتاظاً.

لقد بلغت رغبتي الجامحة في مشاهدة هذه التكوينات بأم عيني حداً من الضخامة بحيث لو انني لم اتخذ القرار الذي اعكف على تنفيذه الآن، لتمزقت إرباً. وما كانت الاستزادة من المعرفة التاريخية لتسعفني. فالاشياء كانت قيد انملة من ملمس اليد، مع ذلك شعرت ان ثمة حاجزاً منيعاً يصدني عنها. أما الآن فانني لا اشعر بانني أراها للمرة الاولى، بل اني الآن في مجرى المشاهدة الثانية.