بولونا، 18 تشرين الاول (اكتوبر)، ليلاً
غادرت تشينتو في الصباح الباكر ووصلت بولونا بعد ذلك بقليل. واذ علم احد الادلاء العارفين بأني لا انوي المكوث طويلاً، راح يطوف بي سراعاً في الشوارع مروراً بكثرة من الكنائس والقصور التي لم يتح لي ضيق الوقت ان اراجع تفاصيلها في دليل فولكمان عن اماكن الزيارة، ولكن من عساه يعرف كم من هذه الاماكن ساتذكر حين اعود الى مراجعة السجل في المستقبل. ولكن دعوني اقدم بعض الشذرات عن الزيارة.
ابتداء هناك لوحة سيسيليا للفنان رافائيل. اكدت لي عيناي ما كان ذهني يقرّ به دوماً: لقد انجز هذا الرجل ما كان الآخرون لا يجرؤون على اكثر من ان يحلموا به. ترى ما عسى ان يقول المرء عن هذه اللوحة بخلاف انها بريشة رافائيل: خمسة قديسين في صف واحد ـ الاسماء لا تهم ـ رسموا رسماً يبلغ ذروة الكمال بحيث ان المرء ليرضى بأن يموت في التو طالما بقيت هذه اللوحة الى الابد. غير ان فهم وتقدير اعمال رافايل على خير وجه، يوجب على المرء ألا يكتفي بتمجيده بوصفه رب الرسم، الذي ظهر على الارض بغتة، من دون أب أو أم، مثل ميلكيزدك؛ لابد اذن من معرفة اسلافه، واساتذته. وان هؤلاء اناسً راسخو الجذور في ارض الحقيقة؛ ذلك ان اعمالهم، ودقتهم المرهفة، هي التي ارست الاساس العريض، فهم الذين تنافسوا على ان يرفعوا درجة درجة، صرح الهرم الذي تتربع عبقرية رافائيل السامية على قمته، بعد ان وضع الصخرة الاخيرة لاكتمال الهرم، وبلغ الذروة التي ما جاراه أو فاقه فيها أحد.
لقد حفزت مشاهدة رسومات الاساتذة الاقدمين عندي الاهتمام التاريخي، مثل رسومات فرانسيسكو فرانتشيان وهو رسام بالغ الرهافة، أو بيترو دي بيروجيا، هذا الرسام البديع الذي يبلغ من الجودة حداً يدفع المرء الى ان يصفه بأنه روح جرمانية شريفة. آه لو ان الحظ حالف ديورر فساقه الى التوغل في ايطاليا جنوبا. مسكين ديورر.انني ارثي لحال هذه العبقرية ـ التي رأيت لها لوحات مذهلة في ميونيخ ـ حين اخطأت الحساب في البندقية، وابرمت صفقة مع عصابة من الكهنة ضيعت عليه اشهرا من عمره، وحين جابت هولندا وقايضت احسن لوحاتها، المؤهلة لجني ثروة (كما كان ديورر يأمل) لقاء ببغاوات، أو رسمت لوحات شخصية للخدم الذين جلبوا لها طبقاً من الفاكهة، لمجرد ان تتجنب دفع البقشيش!ان التفكير في مآل هذا الفنان المسكين، الغرّ، تهيج مشاعري على نحو خاص، ذلك لأن مصيري، في الاعماق، يشبه مصيره؛ الفارق الوحيد انني اعرف، خيراً منه، كيف اعتني بنفسي.
ان بولونا مدينة موقرة، مثقفة، تعج بالناس. وهم يتجولون بين الاقواس التي تحف معظم الشوارع، وتقيهم وهج الشمس ونقيع المطر، فيما هم يبيعون ويشترون، أو يعقدون الصفقات، أو يقفون، أو يتثاءبون. هربت من هذه الحشود قبيل المساء، وصعدت الى اعلى البرج لاتنسم الهواء الطري المنعش، واتمتع بالمشهد. تلوح تلال بادوا من جهة الشمال، وتلوح وراءها سلاسل جبال الالب السويسرية والتيرولية والفريوليانية، كامل سلسلة الشمال في الواقع، الغارقة، آنذاك، في الضباب، أما الى الغرب، فثمة افق رحب مفتوح، لا تقطعه سوى ابراج مودينا؛ والى الشرق ثمة سهل فسيح اجدب، يمتد الى بحر الادرياتيك، وأما الى الجنوب فثمة سفوح تلال ابينانيس، المزروعة حتى اعلاها، والمزدانة بمباني الكنائس والبيوت الريفية، كما هو حال تلال فيشينزا.
تخلو صفحة السماء من أية غمامة، أما الافق فمثقل بضباب قال لي حارس البرج انه لم يتلاشى منذ ست سنوات. فيما مضى من ايام كان بالوسع مشاهدة بيوت وكنائس فيشينزا بالمنظار المقرب، أما هذه الايام فالرؤية نادرة، حتى في اصفى النهارات واحلاها. فهذا الضباب يتشبث بسلسلة الجبال الشمالية، وان هذه السمة هي التي تجعل موطن الآباء العزيز بلداً من بلدان الظلام السرمدي. واشار حارس البرج ايضا الى ان سقوف مباني المدينة كلها تبدو جديدة كل الجدة بفضل اعتدال الهواء؛ فما من آجرة على السقف تآكلت بأثر الرطوبة او اكتست بطحالب العفن. وهذا حق، غير ان ذلك قد يرجع الى نوعية الآجر نفسه. ففي الايام الخوالي كان الآجر المفخور في هذه البقاع ذا نوعية ممتازة.
من المفزع النظر الى البرج المائل، ولعله شيد بهذا الميلان عن قصد. وحسب نظريتي، فان ايام النزاعات الاهلية شهدت تحويل كل مبنى كبير الى قلعة، كما ان كل اسرة متنفذة شادت لنفسها برجاً. وبعد فترة، تحول هذا النزوع الى هواية ومَعْلم شرف في آن؛ وراح الكل يرغب في ان يتباهى بامتلاك برج. وبمضي الوقت كثرت الابراج العمودية وشاعت الى حد الابتذال، فرغب البعض في بناء برج مائل. ان صح هذا الافتراض، فان على المرء ان يقرّ ان المعماري والمالك اصابا هدفهما اذ لم يعد الناس يكترثون بالابراج المعتدلة، وصاروا يهتمون بالمحدّب منها. ارتقيت هذا البرج المائل فيما بعد. ان طبقات الآجر تتدرج افقياً. حقا ان بالوسع اشادة اكثر المباني جنونا بمجرد توفر قضبان الحديد والملاط.