19 تشرين الاول (اكتوبر)، المساء




امضيت سحابة نهاري مكتفيا بالنظر والمشاهدة. والحال في الفن يشبه الحال في الحياة. فكلما توغل المرء في العمق، اتسعت الرؤية. ثمة في سماء الفن ما لا يحصى من النجوم الجديدة، تظهر كل يوم، مثل كاراتشي، جويدو، دومينتشينو، وغيرها، وهي تحيرني حقاً. ان التمتع باعمال اطفال الحقب السعيدة اللاحقة يقتضي من المعرفة وحصافة الحكم ما افتقر اليه، وما لا يمكن نيله إلا بالتدريج. ان العقبة الاساس في فهم هؤلاء الرسامين تكمن في سخف موضوعاتهم، التي تثير حنقي، رغم توقي الشديد الى ان احبها واعجب بها.

لكأن ابناء الآلهة قد اقترنوا ببنات البشر، وانجبوا منهن حشدا من الوحوش. ولا يختلف الحال بين هذا وذاك، حتى مع عبقري مثل جويدو. وتجد نفسك في غرفة تشريح، أو عند قوائم منصة الشنق، أو على حافة حفرة الجثث. ان ابطاله يعانون دوما ولا يعترضون. لا وجود لأي اهتمام بالحياة اليومية، وثمة دوما انتظار لوقوع اعجوبة تأتي من الخارج. وان الشخوص هم إما مجرمون أو مجانين، باستثناء الحالات التي يعمد فيها الفنان، كملاذ أخير، الى تقديم صبي عار، أو صبية حلوة وسط حشد النظارة، أو حين يعامل الابطال القدسيين كما لو كانوا تماثيل لعرض الازياء، حين يلفهم بعباءات تنسدل على اجسادهم في طيات بديعة. ما هذا باسلوب للتعبير عن فكرة كائنات بشرية. وما كان على الفنان ان يرسم إلا واحداً من كل عشرة من هؤلاء، وحتى هذا الواحد لم يؤذن للفنان بأن يرسمه من الزاوية المناسبة.

ان اللوحة الكبيرة التي وضعتها ريشة جويدو، في كنيسة منديكانتي، هي، من الوجهة الفنية، الكمال الذي تصبو اليه كل لوحة، لكن الموضوع هو قمة السخافات التي تفرض على الفنان فرضاً. انها لوحة عاطفية جامحة. احسب ان مجلس السناتورات أثنى عليها باجماع، وأعلى شأنها ايضا. تصور اللوحة ملاكين، جديرين بالتسرية عن نفس مضطربة، يندبان جسداً ميتاً.

ان شخصية القديس بروكولو لا بأس بها، ولكن الاخريات! ـ كل هذا الحشد من الاساقفة والقسس البلهاء! وتحت هذا الحشد ملائكة اطفال يلهون بالصفات؛ ويبدو ان الفنان، وهو يرى السكين مسددة الى عنقه، قد فعل ما ينبغي لانقاذ نفسه فبذل خير ما بوسعه ليقول انه ليس ذلك البربري الذي فعل هذا.

هناك لوحة لشخصيتين عاريتين بريشة جويدو: واحدة تمثل يوحنا المعمدان في الصحراء، واخرى تمثل سيباستيان، وقد رسمت باتقان كبير، ولكن ماذا تقول هاتان الشخصيتان؟ احدهما يتثاءب والآخر يتمطى.

حين اعاين التاريخ بهذا المزاج القاتم، اجدني ميالاً للقول: في البدء سما الايمان بالفنون، بعدئذ جاءت الخرافة لتدمرها.

بعد العشاء، رق شعوري، وخفت غلوائي عما كنت عليه في الصباح، فدونت الملاحظات التالية:

يزدان جدار قصر بالازو تناري، بلوحة شهيرة للفنان جويدو تصور العذراء وهي ترضع الوليد. ان حجمها في اللوحة اكبر من الحياة، لكأن الآلهة قد رسمت رأسها. ان تعبيرها وهي تنظر الى الرضيع عند ثديها، ينم عن الخشوع التام، المطبق، لكأن ذلك الطفل الذي ترضع ليس ثمرة حب ومرح، بل طفل سري سماوي؛ ولا يسعها ان تتصرف بخلاف ذلك، ولا يسعها ايضا، في تواضعها الجم، ان تفهم لم حصل لها ذلك. أما بقية فضاء اللوحة فيحتله ثوبها الفضفاض، كثير الطيات، الذي ابدى خبراء الفن المتضلعون اعجاباً كبيراً به، أما أنا فلم أفهم مغزاه أو كنهه. مرد ذلك، ان الالوان اعتمت في الغرفة سيئة الانارة، والنهار الغائم.

ورغم حالة الارتباك التي ألمت بي، فقد احسست اصلاً ان استخدام عيني وخبرتي وفضولي بدأ يؤتى ثماره في اعانتي على تلمس دربي في هذه المتاهات. ولقد اعجبت كثيراً، على سبيل المثال، بلوحة جويرتشينو الموسومة: الختان، نظراً لأني بت، الآن، اعرف اعماله معرفة حسنة، واحبها تماما. وصفحت لـه مواضيعه المجافية للذائقة، ورحت اتمتع بابداع تنفيذه. لم يترك الفنان فسحة للتحليل، وقد لون كل شيء باسلوب دقيق، واداء يقارب الكمال، كما لو انه يزخرف على المينا.

كان حالي اشبه بحال النبي بلعام المرتبك، الذي بارك حيث جاء ليلعن؛ وكان هذا كفيلاُ بالتكرار لو بقيت فترة اطول.

ولكن حالما أرى لوحة اخرى لرفائيل، أو لوحة يمكن ان تنسب اليه، حتى استعيد مزاجي الرائق وسعادتي الغامرة. وجدت لوحة سانت أجاثا وهي لوحة متقنة وان لم تحفظ حفظاً سليماً. لقد اضفى الرسام على القديسة سمات العافية والثقة بالنفس والعذرية، لكنه ابعد عنها البرود والخشونة. ان صورة هذه القديسة محفورة عميقاً في ذهني. ولسوف اتلو عليها، بالروح، مقاطع من "افيجيني"، ولن ادع بطلة مسرحيتي تتفوه بشيء سوى ما تقوله هذه القديسة.

وحين افكر بهذا "العبء اللذيذ"، الذي احمله معي في طواف الحج هذا، اجدني مرغماً على الاعتراف بأن تيارا جديداً ومقلقاً من الصور الشعرية يتدفق في ذهني بموازاة كل هذه المواضيع العظيمة التي يحفل بها الفن والحياة والتي يتعين ان اتعاطى معها. بعد ان غادرت تشينتو، عزمت على مواصلة تأليف "افيجيني"، ولكن ما الذي حصل؟ ابتدع خيالي حبكة درامية عن افيجيني في دلفي، ورحت اعكف على توسيع الحبكة. اليكم فحواها في

اوجز صورة:

تدخل اليكترا الى معبد ابوللو، وهي واثقة ان اوريستيس يجلب صورة ديانا من تاورس الى دلفى. وتحمل اليكترا الفأس الدامية التي انزلت المصاب في بيت بيلوبس، وتقدمها الى آلهة المعبد نذرا وكفارّة اخيرة. وبمصادفة منحوسة، يدخل اغريقي الى المعبد وينبئها انه رافق اوريستوس وبيلاديس الى تاوريس ورأى الصديقين يساقان الى حتفهما، أما هو فقد اسعفته الاقدار في ان يفر. تفقد اليكترا رشدها من هول ما تسمع، وتحار أين تصب سورة غضبها، على الآلهة أم البشر.

في غضون ذلك تصل افيجينا واوريستوس وبيلاديس الى دلفي ايضا. وحين تلتقي الشقيقتان من دون ان تتعرفا الى بعضهما، فأن رباطة جأش افيجينا وسموها الإلهي يتجليان في تضاد بين مع جموح عاطفة اليكترا البشرية. وان الاغريقي الذي سبق وان افلح في الفرار يرى افيجينا ويتعرف عليها بوصفها الكاهنة التي ضحت بصديقيه، كما يظن، فيكشف سرّها لاليكترا. تلتقط اليكترا الفأس من المذبح، وتوشك ان تفتك بافيجينا، لكن انعطافة حسنة في مجرى الاحداث تدرأ وقوع هذه الجريمة المروعة. ان امكن لي كتابة هذا المشهد بشكل متقن، فسيكون افضل مشهد يعرض على المسرح قاطبة، ولكن من أين لي الوقت الكافي لكتابة هذا الفصل، ان شاء الروح القدس؟

ولما كان تسابق الكثير من الاشياء الحسنة والمرغوبة يثير توجسي، فينبغي ان احكي لاصدقائي حلما رايته في المنام قبل عام مضى، وقد شعرت ان لهذا الحلم مغزاه. رأيت في المنام اني نزلت البر من قارب كبير نوعا ما، في جزيرة خصبة، وفيرة الخضرة، حيث قيل لي اني واجد أجمل طيور الحجل. شرعت في الحال اساوم اهل الجزيرة على هذه الطيور، التي راحوا يذبحونها ويجلبونها لي باعداد كبيرة. كنت اعرف ان هذه طيور حجل، ورغم ان الاحلام تمسخ الاشياء عادة، فقد كانت لطيور الحجل هذه ذيول طويلة مزدانة بطرر قزحية تشبه العيون، أي تشبه ما يزدان به ريش الطاووس، أو بعض طيور الحب النادرة. جلب اهل الجزيرة الطيور الى سطح القارب، ورصفوها في صفوف منتظمة، بحيث كانت رؤوسها تتدلى داخل القارب، أما ذيولها الملونة الحلوة، فتشرئب بريشها خارج القارب. وبدت الطيور في نور الشمس الساطع، كومة بديعة من الالوان يصعب تخيلها، وبلغ عدد هذه الطيور حدا من الضخامة بحيث لم يبق ثمة مجال لنوتي الدفة ولا للمجذفين أي مكان. بعد هذا مضينا على صفحة المياه الساكنة، ثم اخذت اعدّ في ذهني قائمة باسماء الاصدقاء الذين اعتزم ان يشاركوني هذه الذخائر. اخيرا وصلنا ميناءً كبيراً، وتهت وسط السفن العملاقة، ذات الصواري، ورحت امضي من سطح سفينة الى سطح سفينة اخرى، لكي اجد مكاناً آمنا لرسو قاربي الصغير.

ان مثل هذه الصور الخيالية تمدنا بمتعة عظيمة، ولما كنا نحن الذين نبتدعها، فان لها، ولا ريب، وشيجة رمزية بحيواتنا ومصائرنا.

زرت الاكاديمية العلمية الشهيرة المسماة "المعهد" أو "الدراسات". يقع المعهد في مبنى ضخم، وبخاصة في باحته الداخلية، أما مظهره فيبدو متقشفاُ، وأما المعمار فليس من الصنف الحسن. ولا يفتقر السلم ولا الممرات الى النقوش والافاريز المجّملة، ويبدو كل شيء في تناسب سليم وفخم؛ ولقد ذهلت، وهو ما ينبغي الاقرار به، بثراء الاشياء الجميلة، المثيرة، التي جمعت هنا. ولكني لم اشعر تماما بالارتياح، نظراً لأني الماني اعتاد على نمط ليبرالي من نظم التعليم.

وعادت الى ذهني ملاحظة سابقة: رغم ان يد الزمن تغيّر كل شيء، فان البشر يتمسكون بشكل الشيء كما عرفوه اول مرة، حتى بعد ان تتغير طبيعة هذا الشيء ووظيفته. ان الكنائس المسيحية ما تزال تتمسك بشكل البناء الروماني المعروف بـ "البازيليكا، رغم ان شكل المعبد، على الارجح، انسب لطقوسها ومراسيمها. وان المعاهد العلمية ما تزال تشبه الاديرة، لأن الابحاث والدراسات العلمية وجدت ملاذها الآمن الهاديء في زوايا التُقى هذه. وان المحاكم في ايطاليا تكون فسيحة أو فخمة على قدر ما يسمح به ثراء سكان هذه المنطقة أو تلك ـ فالمحكمة يمكن ان تعقد في ساحة سوق مكشوفة، حيث كانت العدالة تأخذ مجراها في زمان القدماء. أولا نمضي نحن لبناء اكبر مسارحنا بكل توابعه ولوازمه تحت سقف واحد، كما لو ان اول سقيفة للعروض تقام مؤقتاً بتسمير بضعة الواح بالمسامير؟ ان ضخامة عدد الطلاب المتعطشين للمعرفة، في زمن الاصلاح الديني، ارغمهم على السكن في منازل الأسر، ولكن كم طال بنا الوقت قبل ان نعلمن ملاجئ الايتام ونزود الاطفال الفقراء بالتعليم الدنيوي الضروري لهم!