20 تشرين الاول (اكتوبر)، المساء




قضيت جل هذا النهار الجميل في العراء. كلما اقتربت من الجبال، اشتد اهتمامي بالصخور والمعادن. انني ابدو مثل انتايوس الذي يشعر دوماً ان ثمة قوة جديدة تنبعث فيه كلما لامس امه الارض.

مضيت على صهوة جواد الى باديرنو، حيث يوجد ما يسمى بالبولونيز الثقيل، وهو معدن السبّار اللماع. وهم يصبونه هنا كتلاً صغيرة مثل الكعك، وبعد ان يتكلس، يأخذ بالتوهج في الظلام كما لو انه تعرض من قبل للنور. انهم يسمون هذا المعدن: فوسفوري (بالايطالية).

وخلفت في طريقي بعضاً من التلال الحجرية الرملية، ووقعت على جلاميد من حجر الميكا الزجاجي، مشرئبة في الارض. ان التل الذي يحوي معدن السبار الوهاج لا يبعد كثيراً عن تنور حجري وجدول يتألف من التقاء جدويلات عدة. في البدء، ظننت ان ذلك طين رسوبي، أي غريني، جرفه المطر من الجبال، ولكن بعد القاء نظرة فاحصة، عن كثب، وجدت ان صخره الصلب ما هو إلا صخر بلوري منحوت نحتاً رقيقاً، ويتناوب مع رقائق من الجبس. وان الصخر البلوري ممتزج امتزاجاً شديداً بحبيبات الحديد، بحيث انه يتعرض، بفعل عوامل الهواء والرطوبة، الى تغير تام. فهو ينتفخ، ثم تتلاشى صفيحات الرقائق، ويتشكل نوع من صلصال صدفي الشكل، متفتت، لـه سطوح تتلألأ مثل الفحم القاري. ولم اقتنع حقا بحصول هذا التحول إلا بعد ان فحصت عينات كبيرة، وكسرت شظايا عديدة لأرى سطوحها من كلا الوجهين. ان السطوح الصدفية مبقعة بحبيبات بيضاء، واحيانا صفراء. وبالتدريد يتفكك سطح التل باكمله حتى يبدو مثل كتلة ضخمة من حبيبات الحديد المتذري. وتحوي الطبقات الصلبة على سطوح خضراء وحمراء متصلة اكثر. ورأيت، مرارا، آثار خامات الكبريت.

وتسلقت جلاميد في اخدود، جرفتها مياه الامطار من الجبال، وسررت لما رأيت العديد من عينات معدن السبار اللامع الذي كنت ابحث عنه، مشرئباً من جنبات الجلمود المتفتتة. كانت هناك عينات معينة نظيفة تماما، واخرى مكسوة بالطين. يمكن للمرء ان يرى، في الحال، انها ليست فُتات غرين، غير ان تعيين ما اذا كان تشكل هذا السبار موازيا لتشكل البلور الصخري، أم انه نتيجة انتفاخ أو تفتت هذا الاخير، انما يتطلب فحصاً مدققاً. ان العينات التي وجدتها، صغيرها وكبيرها، تضاهي حجم البيضة، وان اصغر العينات يبدو اشبه بالكريستال. وتزن اثقل قطعة نحو ثمانية اونصات ونصف الاونصة. ووجدت في الصلصال ذاته حبات كريستال طليقة، بديعة، من الجبس. وبمقدور الخبراء ان يستخلصوا استناجات ادق من هذه العينات التي سأجلبها معي. ها انذا مثقل بالصخور ثانية! لقد جمعت اكثر من اثني عشر رطلاً من معدن السبّار الثقيل.