بيروجيا، 25 تشرين الاول (اكتوبر)، المساء




لم اكتب كلمة واحدة منذ ليلتين. كانت الحانات التي ننزل فيها سيئة تماما، لا تتوفر فيها فسحة حتى لبسط ورقة كتابة. زد على هذا ان مكب خيوط الرحلة لا يدور على منوال مريح وسلس، كما كان حاله من قبل، وان كل شيء بدأ يقع في الاختلاط والتشوش.

في الساعة العاشرة بتوقيتنا، وفي الثالث والعشرين منه، غادرنا ابيناينس، ووجدنا فلورنسا رابضة في واد فسيح، كثيف الزراعة على نحو مذهل، ومنقط بالفيلات والمنازل، على مدى البصر.

مضيت في جولة سريعة في المدينة لأرى قبة الكاتدرائية وبيت المعمودية Battistero. هانذا، مجددا، بازاء عالم جديد ينفتح أمام ناظري، لكني لم ارغب في البقاء طويلاً. ان موقع جنائن بوبولي مذهل حقاً. اسرعت في المغادرة قدر ما اسرعت في المجيء.

ان نظرة واحدة تكفي لأن تنبيء المرء بأن الناس الذين شادوا المدينة ينعمون بالرفاه، ويرفلون في نعمة التعاقب الحميد لحكومات حسنة. ان اشد ما يثير العجب في توسكاني هو الاشغال العامة، أي الطرق والجسور، فهي جميلة وفخمة. وتمتاز في آن واحد بالكفاءة والتناسق، جامعة الفائدة بالرشاقة، ويلاحظ المرء، في كل مكان، مدى العناية الدقيقة بها، خلافاً للأملاك البابوية، التي يبدو انها تبقى في الوجود لمجرد ان الارض ترفض ان تبتلعها.

ان كل ما نطقت به آنفاً عن ابيناينس ينطبق على توسكاني فهي تربض في بقاع ادنى بكثير، وان البحر القديم تولى مهمته بمراكمة تربة رملية عميقة، ذات لون اصفر فاقع، وملمس لدن يسهل العمل عليه. ويحتفر الفلاحون اخاديد عميقة ولكن على الغرار القديم نفسه. وان محاريثهم بلا عجلات، وشفراتها ثابتة، لا تتحرك.ويتقوس ظهر الفلاح خلف الثيران وهو يدفع المحراث في التربة لكي يقلبها. تجري الحراثة خمس مرات كل عام، ولا يستخدم الزراع إلا القليل من السماد الذين ينثرونه باياديهم. أما في موسم البذار، فيقيمون اضلاعاً ضيقة تفصلها اخاديد عميقة حتى تجري فيها مياه الامطار. ويزرعون القمح فوق اكتاف السواقي، حتى يسهل عليهم المشي في الاخاديد عند الحاجة. ان هذه الطريقة معقولة تماما في منطقة يداهمها خطر انهمار الغزير من الامطار، أما في هذه المنطقة ذات المناخ البديع فلا ادري لم يلجأون اليها. رأيتهم يقومون بذلك قرب اريزو. يتعذر على المرء ان يجد حقولاً انظف وارتب من هذه أينما كان؛ اذ يصعب على المرء ان يرى حتى نتفة خالية من الارض؛ والتربة نظيفة كما لو انها مصفاة. ويبدو ان القمح يجد هنا افضل مستلزمات نموه، وهو ينمو بالفعل على احسن ما يكون. ويزرع الفلاحون، بين عام وآخر، الباقلاء علفاً للخيل، التي لا تعلف الشوفان. ان عرانيس الترمس زاهية الخضرة من الآن، ولسوف تنضج في آذار (مارس). والكتان ينبت ويكبر. انهم يتركونه في تربته طوال الشتاء، فلا يزيده الصقيع إلا متانة.

ان اشجار الزيتون غريبة الاطوار حقاً؛ فهي تبدو اشبه بالصفصاف، لأن لحاءها يتفلق ويتقشر، إلا انها تبدو أمتن. ينمو الجذع ببطء، لكن قشرته ملساء، ذات حبيبات ناعمة. وان الاوراق شبيهة باوراق الصفصاف، لكنها اقل كثافة على الاغصان. تزدان سفوح ومنحدرات التلال المحيطة بفلورنسا باشجار الزيتون والكروم، أما الفراغات بين الاثنين فتزرع حبوباً. أما الحقول اللاحقة، قرب اريزو، فهي اقل فوضى. وفي اعتقادي انهم لا يصدون النباتات المتسلقة بالقدر الكافي؛ فالمتسلقات تؤذي اشجار الزيتون وغيرها، وان من السهل اجتثاثها. تخلو هذه البقاع من المراعي. وقيل لي ان الذرة استنزفت التربة. وقد تدهورت الزراعة بصور شتى منذ البدء بغرس الذرة. اعتقد ان ذلك راجع الى قلة ما يستخدمون من سماد.

هذه الليلة ودعت الضابط البابوي بعد ان وعدته بزيارته في بولونا خلال رحلة الأياب. انه نموذج كامل للايطالي المعتاد. اليكم بعض الحكايات لتصوير شخصيته.

رآني ذات مرة مستغرقاً في تفكير صامت فقال ما ترجمته:

"لم تمعن التفكير الى هذا الحد الكبير! لا ينبغي للانسان ان يفكر. فالتفكير يورث الشيخوخة!" ثم قال، بعد ان تحدثنا قليلاً:

"لا يجوز للانسان ان يستغرق في التفكير في شيء واحد فقط، لأن ذلك سيورثه الجنون؛ يجب ان يدع المرء آلاف الاشياء تطوف في رأسه."

وان ذهنية هذا الايطالي تتجلى على احسن صورة في الحوار التالي. لقد لاحظ بجلاء انني بروتستانتي، لذا، بعد بعض اللف والدوران، استفسر مني ان كنت لا امانع في الاجابة عن بعض الاسئلة، لأنه سمع الكثير من الاشياء الغريبة عن البروتستانت، ويود ان يحصل على معلومات مباشرة من مصدرها الاول آخر المطاف.

"هل حقا ان كنيستكم تأذن لكم بمطارحة فتاة جميلة الغرام من دون الزواج بها؟ هل يأذن قساوستكم بذلك؟"

اجبت "ان قساوستنا عقلاء، لا يجشمون انفسهم عناء التدخل في مثل هذه الامور الصغيرة؛ وبالطبع لو اننا طلبنا منهم الاذن، فلن يوافقوا قط."

فهتف في عجب "وهل حقا انكم ليسوا مرغمين على طلب الاذن منهم. يا لكم من سعداء! وبما انكم لا تعترفون أمام الكاهن، فانه لن يسمع عن ذلك قط."

وهنا شرع يلعن قساوسته ويثني على حريتنا المباركة. ثم اضاف:

"والاعتراف، ماذا بشأن الاعتراف؟ يقولون لنا ان على سائر البشر، حتى لو كانوا من غير المسيحيين، ان يعترفوا بذنوبهم. وبما انهم غير نادمين ولا يستطيعون الاعتراف وفق الطريق القديم، فانهم يعترفون أمام شجرة هرمة، وهذا تصرف سخيف وشرير، لكنه مع ذلك برهان على انهم يعترفون بلزوم الاعتراف."

شرحت لـه وجهات نظرنا بصدد الاعتراف وممارسته. فقال ان آراءنا مناسبة تماما، ولكنها لا تختلف كثيراً عن الاعتراف أمام شجرة. وتردد هنيهة ثم سألني بكامل الجدّ ان اصدقه القول بشأن قضية اخرى. لقد أسرّه أحد قساوسته، وهو انسان صادق مخلص الاخلاص كله، ان الكنيسة تأذن لنا بالزواج من اخواتنا. فوجدت في هذا القول اشتطاطاً يتجاوز كل حد. وحين انكرت هذا، ورحت اقدم لـه عرضاً لبعض الاصول العقلانية لمعتقداتنا، رآها عادية بل مبتذلة تماما، وفقد اهتمامه بما اقول. ثم انتقل الى مسألة اخرى وقال:

"قيل لنا ان فريدريك الاكبر، الذي حقق الكثير من الانتصارات، حتى على المؤمنين الصادقين من ابنائنا، والذي تطبق شهرته الآفاق، هو في الواقع كاثوليكي رغم ان الكل يتصوره هرطيقاً. فلديه فتوى خاصة من البابا بأن يكتم معتقده. وكما تعلم فانه لا يدخل كنائسنا، بل يتعبد في مصلى سري، تحت الارض، وان الندامة تسحق فؤاده لأنه لا يستطيع ان يعلن جهاراً عن مذهبه الحق، المقدس، لأنه ان فعل ذلك فان البروسيين، الاجلاف المتعصبين لهرطقتهم، سيفتكون به في الحال، فلا يعود ذا نفع للقضية. لهذا السبب اعطاه الحبر الاعظم فتوى الكتمان، بالمقابل فان فريدريك يعتنق المذهب الوحيد الحق، وينشره سراً."

تركت صاحب يهرف بكل هذه الاقوال من دون محاججة، واكتفيت بالقول ان من المتعذر التوثق من ذلك مادام الأمر سراً. ومضت احاديثنا في الوجهة ذاتها. ودهشت حقاً مما يبديه القساوسة من ضروب المكر، فهم ينكرون أو يلوون الحقائق التي تمس الدائرة الغامضة التي تحيط بمعتقدهم الديني التقليدي، أو تلقي عليه ظلالاً من الشك.