فوليجنو، 26 تشرين الاول (اكتوبر)، المساء
غادرت بيروجيا في صباح مجيد، وشعرت بنعمة الانفراد بنفسي من جديد. ان موقع البلدة جميل، ومنظر البحيرة ساحر. ساتذكر الاثنين ابداً. انحدر الطريق، باديء الامر، اسفل تلة، ثم مضى بعد ذلك على امتداد واد لطيف، تحفه من جانبيه تلال بعيدة، حتى بلغ بنا موضعاً لاحت منه أسيسي في الافق.
اعرف من قراءة مؤلفات بالاديو وفولكمان ان معبد منيرفا يقع هنا، وقد شيد خلال عهد اوغسطوس، ومايزال محتفظاً بمبناه على أحسن صورة.
تركت سائسي (بالايطالية) واذنـت لـه بالعودة الى فوليجنو. كنت تواقا الى التمشي في هذا العالم الصامت، وصعدت الطريق المرتقي الى أسيسي سيرا على الاقدام، وريح عاتية تهب في وجهي. اشحت وجهي في نفور من الأساسات الضخمة لكنيستين تقعان عن يساري التي شيدت الواحدة فوق الاخرى مثل برج بابلي، وهما مرقد القديس فرانسيس. خشيت ان يكون الجمهور المحتشد هناك من طينة الضابط البابوي. وسألت صبياً لطيف المحيا عن الطريق الى ماريا ديلا منيرفا، فاصطحبني الى المدينة الرابضة على سفح تلة. اخيرا وصلنا ا لمدينة ثم ـ انظر وتعجب ـ ها هنا ينتصب المعبد، أول صرح كلاسيكي كامل أراه بعيني. انه معبد متواضع يناسب بلدة صغيرة كهذه، غير ان كمال تصميمه ليجعله حلية للناظر أينما كان.
ولما كنت قد قرأت الكثير في مؤلفات فيتروفيوس وبالاديو عن الاسلوب الامثل لتصميم المدن، والطراز الامثل لمواقع المعابد والمباني العمومية، فقد تعلمت معاملة هذه الامور باحترام كبير. ولقد كان القدماء، في هذا الامر، كما في سواه، عظماء بالفطرة. يقع المعبد في منتصف الطريق الموصل الى الجبل، في نقطة التقاء تلتين، على رقعة منبسطة من الارض يسمونها اليوم بياتزا (أي ساحة بالايطالية). الواقع ان الساحة تميل ميلاناً طفيفاً، وتلتقي عندها اربعة شوارع، اثنان من اعلاها، واثنان من ادناها، لتؤلف صليب القديس اندرو، وهو صليب يفتقر الى الاتساق. لعل البيوت التي تواجه المعبد وتحجب مرآه ما كانت قائمة ايام القدماء. ولو ازيلت هذه البيوت، لأمكن للناظر ان يرى في القيعان الخفيضة ريفاً خصباً الى الجنوب، ولأمكن لمرقد منيرفا ان يلوح للناظر من كل الجهات. لكن تنظيم الشوارع يعود الى عهد اقدم، نظراً لأنها تحاكي تعرجات محيط الجبل. لا يقع المعبد في مركز المربع، ولكنه اقيم في موضع يتيح للمقبل من روما ان يراه في المنظور القريب. ويتعين على المعماري ان يجيد تخطيط الموقع، علاوة على اجادته تخطيط رسم البناء.
لا يكل المرء عن النظر الى الواجهة والاعجاب بالتتابع المنطقي للعمارة. ان النسق كورينثي، والمسافات بين الاعمدة مقاسة بوحدتين ثابتتين. وان قاعدة الاعمدة أو الوطيدة المربعة التي تسندها، تبدو كأنها تقف على منصة، غير ان هذا محض وهم، لأن اساسات اعمدة الهيكل قد ثقبت في خمسة مواضع، وتوجد في كل فجوة خمس درجات تفضي الى ما بين الاعمدة. ويمكن للمرء ان يصل، عن طريقها، الى المنصة التي تقف عليها الاعمدة فعلاً، ثم يدخل المعبد. ان هذه الفكرة الجريئة، فكرة ثقب اساسات الاعمدة، عقلانية تماما، في إطار البناء ذاته. اذ لما كان المعبد يربض على تلة، فان بناء درج للوصول الى ردهته، يعني ان يمتد هذا الدرج الى وسط الساحة ويقلص فضاءها. ويتعذر علينا الآن ان نعرف عدد الدرجات الاصلية، لأن معظمها مدفون في التراب، وقد كسي موضعه ببلاط التعبيد. ارغمت نفسي ارغاماً على مغادرة المعبد وكلي عزم على ان الفت انتباه المعماريين الى هذا البناء حتى يعدوا لنا صورة دقيقة عن خريطة عمارته. وادركت من جديد قلة ما تستحقه التقاليد المكتسبة، الشائعة، من ثقة. فبالاديو، الذي اعتمدت عليه ضمناً، اعد مخططاً لهذا المعبد، ولا يضع في رسومه منصات صلدة للاعمدة على الارض، مما يضفي على الاعمدة ارتفاعاً غير متناسب ولا متناسق، اذ يضيف على المعبد الحقيقي، ذي الرقة العظيمة، ضخامة متعملقة على غرار بالميرا. اعجز عن وصف عمق الاحاسيس التي استثارها هذا العمل في نفسي، لكني اعرف انها ستظل تزهر الى الأبد.
كان المساء لطيفاً، وكنت امشي على الطريق الروماني النازل في نعمة الرضى، حين سمعت من ورائي، على حين غرة، اصوات هادرة، فظة، تتلاسن ملاسنة حامية.
قلت في نفسي لابد انهم درك (sbirri)، اذ سبق ان لاحظت بعضهم في البلدة. ركزت سمعي، من دون ان التفت، لكي التقط عباراتهم، مواصلاً السير في روّية. وسرعان ما ادركت اني موضوع الملاسنات. مرّ بي اربعة رجال، اثنان منهم مسلحان بالبنادق، وهم يدمدمون. بعد ان سبقوني بضعة خطوات، التفتوا إليّ، واحاطوا بي، ليسألوني عما افعل هناك. اجبت انني غريب، وانني جئت مشياً على الاقدام من أسيسي، أما حوذي مركبتي فاتجه بالعربة الى فوليجنو. وجدوا صعوبة في تصديق قولي ـ اذ كيف يمكن لامريء ان يكتري عربة ثم يمضي على قدميه. وسألوني ان كنت قد قصدت الجران كونفنتو، فاجبت بالنفي، لكني اكدت لهم اني اعرف هذه البناية منذ سنوات، وانني عزمت هذه المرة، باعتباري معماريا، ان اتوجه لمعاينة معبد ماريا ديلا منيرفا، الذي يعد كما يعلمون، اعجوبة في المعمار. لم ينكروا ذلك، لكنهم قالوا انهم شعروا بالمهانة لأنني لم أبد ضروب التوقير لقديس البلدة، ولم يخفوا عني شكوكهم في انني قد اكون مهرب سلع ممنوعة. بينت لهم سخف الارتياب في شخصي على انه مهرب وهو يمشي لوحده خالي الوفاض، وبلا متاع اصلاً. اقترحت عليهم العودة الى البلدة معهم والتوجه الى العمدة (بالايطالية)، لأريه وثائق سفري ليؤكد لهم انني مسافر اجنبي محترم. تبادل الاربعة الهمس فيما بينهم، ثم قالوا لي ألا موجب لذلك. لقد تصرفت طوال الوقت تصرفاً هادئاً، وقوراً، وأخيراً تركوني ومضوا الى البلدة. تابعتهم بناظري: هنا، في مقدمة المشهد، يسير اربعة زعران، ووراءهم في المؤخرة، معبد منيرفا يطل عليّ في حنان، كما لو ان منيرفا نفسها تريد مواساتي. التفت ببصري الى كاتدرائية القديس فرانسيس الواقعة الى يساري، وهممت بالسير في سبيلي، حين انفصل رجل اعزل عن جماعة الاربعة، وعاد ادراجه ليقترب مني في شيء من المودة. وقال "عزيزي ايها الاجنبي، يجب عليك في الاقل ان تعطيني بقشيشاً، لأنني اؤكد لك انني عرفت للتو بانك انسان شريف، وقد اقنعت اصحابي بذلك بصراحة، لكنهم حادو الطباع، سريعو الغضب، لا يعرفون ما في الدنيا. ولابد انك لاحظت انني كنت اول من رحب بكلماتك، وأيدك في اقوالك." اثنيت عليه موقفه، ودعوته الى ان يعمل في المستقبل على حماية أي غريب قد يفد الى أسيسي بدافع الدين أو الفن، خصوصا ان كان معمارياً يروم اخذ قياسات معبد منيرفا ورسم مخطط عنه، فصورة هذا المعبد لم تحظ بتخطيط أو حفر على الخشب. وقلت ان مثل هؤلاء الزوار الاجانب سوف يكللون هامات البلدة بالمجد، وانه لو قدم لهم يد العون، فانهـم لابـدّ وان يعـبروا لـه عن امتنانهم، وعند هذه الكلمات وضعت في يده بضع قطع نقود فضية، اثارت سروره، لأنها فاقت كل ما يتوقع. رجاني ان اعود لزيارة اسيسي قريباً؛ اذ لا يجوز لي مهما كان السب ان افوت على نفسي فرصة وليمة القديس، الحافلة بالتبجيل والتسلية. وقال ايضا، لو ان رجلاً بهي الطلعة مثلي يود الاختلاء بانثى حلوة، فان معظم النساء الجميلات، المحترمات في اسيسي سيبدين الاستعداد لاستقبالي بتوصية منه. واستأذن بالانصراف بعد ان وعدني وعداً جاداً انه سيذكرني هذا المساء في دعائه عند ضريح القديس، وان يتضرع في صلاته داعياً لي بالتوفيق في رحلتي. وهكذا افترقنا، وزال الكرب بعودتي الى الوحدة مع الطبيعة والاختلاء الى نفسي. ان الطريق الموصل الى فوليجنو، الذي يمضي بمحاذاة الجبل ويطل على الوادي، طريق جميل، وان سيري على هذا الدرب الذي استغرق نحو اربع ساعات، هو من اجمل النزهات الساحرة في حياتي كلها.
ان الارتحال مع الحوذيين (بالايطالية) شأن منهك، وان الثناء الوحيد مما يقال فيه هو ان بوسع المرء دوما ان ينزل من العربة ليمشي. ولقد رضخت طوال الطريق في فيرارا الى الانجرار على هذا النحو. ان ايطاليا التي حبتها الطبيعة بكل المزايا الحلوة، متخلفة تماما عن سائر البلدان في ركب المخترعات الميكانيكية والتقنية، التي باتت، بعد هذا وذاك، عماد الراحة واليسر فـي الحـياة. ان عـربة السائس تـدعى una sedia، أي "ذات المقعد الواحد"، ولا ريب انها محورة عن المحفات القديمة التي كانت العجائز المسنات أو كان الاعيان والوجهاء يحملون فيها على البغال. أما البغل الذي كان يربط بين عمودي المؤخرة فقد استبدل الآن بعجلتين، وهذا هو كل التطوير المضاف. وما يزال المرء يهتز الآن اهتزازه عصر ذاك، قبل قرون. وينطبق الحال نفسه على منازهم، وامورهم الاخرى. ان الحلم الرعوي عن الانسان البدائي الذي يعيش في العراء ولا يلجأ الى الكهوف إلا في حالات الاضطرار والطواريء، هو حقيقة قائمة هنا. ولكيما يرى المرء هذه الحقيقة، ما عليه إلا ان يلج مساكنهم، خصوصا في انحاء الريف، فهذه المساكن تحتفظ بكل خصائص الكهوف.
وتجدهم خالين تماماً من الهم، فارغي البال، لأنهم يخشون من ان يودي بهم التفكير الى شيخوخة مبكرة. وبفعل هذا الاهمال الذي لا نظير لـه، تجدهم يتقاعسون عن اعداد المؤونة اللازمة لاماسي الشتاء الطويلة، فيعانون، نتيجة ذلك، كالكلاب، طوال فترة مديدة من العام. وان النزل هنا في فوليجنو يشبه منزلاً أسرياً هوميروسياً. يتجمع الكل هنا في حجرة حول موقد مفتوح، زاعقين، مثرثرين. ويأكل الجميع سوية على مائدة واحدة، طويلة، كما في لوحة وليمة العرس في قانا. وجلب احدهم، لدهشتي، قنينة حبر، لذا سانتهز الفرصة للكتابة، رغم ان هذه الصفحات ستشي ببرودة طاولة الكتابة وبعدها عن الايفاء بالمرام.
ادركت لتوي مدى جرأتي في السفر في ارجاء هذا البلد منفرداً من دون تهيئة مناسبة. وان اختلاف العملات، وتبدل الحوذيين، وتباين الاسعار، وتغيير حانات المبيت التعيسة، تؤلف ازعاجاً يومياً، وان كل من يرحل لأول مرة طامحاً الى التنعم بمتع لا تنقطع، كفيل بأن يعاني الخيبة مراراً، وان يضطر الى التصدي للكثير من العناء. غير ان امنيتي الوحيدة كانت وما تزال ان ازور هذا البلد واراه مهما كلف الثمن، ولن انطق كلمة شكوى واحدة حتى لو جروني الى روما جراً، مربوطاً الى عجلة إكسيون.