تيرني، 27 تشرين الاول (اكتوبر)، المساء
ها انذا اجلس ثانية في كهف تهدم بفعل زلزال في العام الماضي. تربض بلدة تيرني وسط تلال جيرية، تحاذي سهلاً منبسطاً، وهي، شأن بولونا الواقعة على الجهة الاخرى، تربض عند قاع سلسلة جبلية.
بعد ان غادرنا الضابط البابوي، جاءنا الآن قسيس، رفيق سفر. وبالطبع فقد شخصني باعتباري هرطيقا، لكنه مستعد لأن يجيب عن كل اسئلتي حول الشعائر والطقوس وما شاكل. ان التعرف على اناس جدد طوال الوقت يمدني بما جئت لأجله؛ وان الاصغاء الى الناس وهم يتجاذبون الحديث فيما بينهم يزود المرء بصورة حقيقية عن البلاد.فهم يتخاصمون خصاما مريراً، ويغرقون في اغرب انواع الروح المحلية للاقاليم، أو النزعة الوطنية للبلدات والمدن، ولا يطيقون بعضهم البعض. وهناك نزاعات ابدية بين مختلف الطبقات، تخاض بحمية خارقة تجعل المرء يبدو كمن يشارك ليل نهار في مسرحية كوميدية يعري فيها الجميع ذواتهم، مع ذلك فانهم قادرون على ضبط جموحهم بسرعة ايضاً، وعلى الانتباه الفوري لاستياء أي غريب من سلوكهم.
ارتقيت الدرب الى سبوليتو، ووقفت فوق قناة حجرية لنقل الماء، وهي تقوم ايضاً مقام جسر يربط تلاً بآخر. هناك عشرة اقواس من الآجر تقطع الوادي، شاخصة هناك، في سكون، عبر القرون كلها، أما الماء فينساب على الدوام في كل احياء سبوليتو. هذا ثالث عمل من اعمال العصور القديمة مما رأيت، وهو يجسد الروح النبيلة ذاتها. ان الاحساس بالصالح العام، الذي يؤلف عماد عمارتهم، هو بمنزلة طبيعة ثانية في نفوس الاقدمين. من هنا منشأ المدرجات، والمعابد، والقنوات العلوية. وادركت، لأول مرة، سبب بغضي للمنشآت الاعتباطية مثل القلاع المسماة فينتركاستن في فايسنشتاين، على سبيل المثال، فهي هباء لا معنى لـه، قطعة فظيعة هائلة من الحلوى ـ ولقد شعرت بالنفور ذاته من آلاف المباني
الاخرى. فهذه الانصاب ليست سوى جهيض، لأن كل ما لا يملك سبباً عقلياً لوجوده انما هو جثة هامدة، تخلو من العظمة، أو لن تبلغها قط. ألا ما اكثر المتع والافكار التي امدتني بها هذه الاسابيع الثمان الاخيرة، مشكورة! إلا انها ابهضتني بقدر كبير من العناء ايضاً. احاول ان ابقي عيني مفتوحتين على سعتهما طوال الوقت، واتذكر اكبر قدر من التفاصيل، وامتنع عن اصدار الحكم خارج حدود قدرتي. ان الكنيسة الصغيرة، الغريبة، الجانبية لسان كروسيفيسو، ليست، في رأيي، بقايا معبد كان قائماً ذات يوم في هذا الموضع. من الجلي ان الاعمدة والركائز والسطوح، قد وجدت هنا واستخدمت في البناء. فكانت النتيجة بناءً سخيفاً وان كان لا يخلو من مهارة. يتعذر وصف هذا المبنى، ومن المؤكد ان ثمة صورة عنه منقوشة على الخشب في مكان ما. ان الصعوبة المحيرة في السعي لتكوين فكرة عن العصور القديمة تكمن في اننا لا نملك ما نمر به سوى الاطلال، فتظل محاولات اعادة تركيب الماضي ناقصة.
أما ما يسمى بالتربة الكلاسيكية فمسألة اخرى. اذا احجمنا عن مقاربة هذه التربة مقاربة خيالية، وركزنا على دراستها في واقعها المباشر المتاح لحواسنا، فانها ستتجلى للعيان بوصفها مسرحاً لأحداث جسام جرت وحُسمت. لقد دأبت على معاينة أي مشهد بعين جيولوجي وطوبوغرافي، متجاوزاً خيالي وعاطفتي لكي احافظ على باصرة عقلي في المراقبة الجلية، المتجردة. فان توفق المرء في ان يقوم بهذه المراقبة المتجردة منذ البدء، تدفق التاريخ تلقائيا ومنطقيا في كل بهائه العجيب. ان اشد ما يستبد بي من رغائب الآن ان اطالع تاسيتوس في روما.
ينبغي ألا اغفل ملاحظاتي عن المناخ. حين مضينا بالعربة في ابيناينس، بعد مغادرة بولونا، كانت الغيوم ما تزال تندفع شمالاً، إلا ان وجهتها تغيرت لاحقاً صوب بحيرة تراسيمينو، حيث توقفت هناك، ساكنة، باستثناء قلة منها واصلت الحركة الى اقصى الجنوب. وهذا يبرهن ان سهل نهر البو المترامي الاطراف، لا يرسل كل غيومه، في فصل الصيف الى جبال الالب التيرولية، بل يوجه بعضاً منها الى ابيناينس، وهذا هو، على الارجح، سبب موسم الامطار هناك. شرع الزراع في جني الزيتون، وهم يلتقطونه باليد؛ أما في اماكن اخرى فانهم يقطفون بضرب الاغصان بالعصي. اذا بكرّ الشتاء بالقدوم، فانهم يتركون بقايا الثمار في اغصانها حتى الربيع. ولقد رأيت بعضاً من اضخم اشجار الزيتون المعمرة في رقعة صخرية من الارض.
ان آلهات الشعر والغناء والفنون، لا يزرن المرء في اللحظة المناسبة، شأن الشياطين. لقد سقنني اليوم الى بلورة فكرة في غير اوانها. فاذ كنت اقترب من مركز الكاثوليكية، وأنا محاط بالكاثوليك، ومحشور على مقعد عربة جوار قس، وساع الى تلمس وادراك حقيقة الطبيعة ونبل الفن، انبجست في ذهني فكرة جامحة تفيد ان كل آثار المسيحية الاولى قد انطمست وامحت من الوجود. وحين كنت اراها بعين الخيال في نقائها الاول، كما سجلتها اعمال الرسل، كنت ارتعد من وثنية عصر الباروك المشوهة، التي فرضت نفسها على تلك البدايات البسيطة، البريئة. وداهمتني من جديد اسطورة اليهودي الجوال، الذي شاهد كل هذه التطورات الغريبة، وعاش ليشارك في ذلك المشهد الخارق يوم عاد المسيح ليتفقد ثمار تعليمه، فداهمه خطر الصلب مرة ثانية. وينبغي لعبارة "غفران الصلب الثاني" venio iterum crucifigi ان تقوم مقام عنوان لهذه الكارثة.
ثمة احلام اخرى مماثلة تحوم أمام ناظري. وفي عجلتي لمواصلة الرحلة، نمت بكامل حلتي، دون ان اجد ما يسر الفكر سوى ان اتخيل من يوقظني قبيل انبلاج الفجر، لكي آخد مكاني في العربة، وامضي مرتحلاً، وأنا وسنان، تاركاً صور الاحلام تنطلق لتفعل بي ما تشاء.